الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٦
فوق رءوسهم». ثم ان القوم يشاهدون أنهم كلما آمنوا به تباعد الجبل عنهم، و كلما هموا بتكذيبه، قرب أن يسقط عليهم، فعند هذا يعلم كل أحد بالضرورة: أن المقصود من هذا الاظلال تصديق المدعى فى ادعاء الرسالة.
قوله خامسا: «اذا كان الكفر و الفسق بخلق الله تعالى، فحينئذ بطل الاستدلال بالمعجز على التصديق» قلنا: الجواب عنه من وجهين:
الأول: ان هذا السؤال كما أنه لازم علينا، فهو أيضا لازم على «المعتزلة» و ذلك لأنه انما يقبح من الله اظهار هذه المعجزة على يد الكاذب، اذا كان الغرض من خلق المعجزة، تصديق المدعى.
و أما بتقدير أن يكون الغرض منه شيئا آخر، سوى التصديق، لم يقبح ذلك. و لما ثبت أنه لا يبعد أن يكون لله تعالى أغراض أخر من هذا المعجز سوى التصديق، يلزمهم أن يحكموا بأنه لا يقبح اظهاره على يد الكاذب.
لا يقال: اظهار المعجزة على وفق دعوى الكاذب قبيح مطلقا، لأنه ان كان الغرض من خلقه هو التصديق، فلا شك فى قبحه. و ان كان الغرض منه شيئا آخر سوى التصديق، لكنه خلقه مقارنا لدعوى الكاذب، يوهم أن الغرض منه: تصديقه. ففعل ما يوهم تصديق الكاذب قبيح أيضا.
لأنا نقول: ان كان ما يوهم القبيح قبيحا، وجب أن يكون انزال المتشابهات و خلق ما يوهم الشبهات قبيحا. و بالاتفاق أنه واقع و ليس بقبيح. فعلمنا: أنه انما لم يقبح لأنه و ان كان موهما للباطل، الا أن فيه احتمال أن مراد الله تعالى منه غير ما يشعر به ظاهره، فلو قطع المكلف بحكمه على ذلك توجه الباطل، مع أنه فى نفسه محتمل لغير