الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٤
أما المقام الأول: فنقول: لا نسلم أن ظهور ذلك الفعل من الملك، يدل على أنه يصدق المدعى فى دعواه، و لا ننكر أنه يوهم ذلك.
و أما أن يدل عليه قطعا، فهذا ممنوع. و ذلك لأن أقصى ما فى الباب أن يقال: انه حصل ذلك الفعل عند ذلك الطلب، و لم يفعله قبل ذلك الطلب. فحصل الدوران بينهما وجودا و عدما. و الدوران وجودا و عدما يدل على العلية.
الا أنا نقول: قد بينا أن الدوران وجودا و عدما، لا يدل على العلية.
و الّذي يحقق ذلك: أنه لا يبعد أن يقال: لما التمس ذلك المدعى من ذلك الملك أن يحرك قلنسوته، فانه حصل فى ذلك الوقت سبب آخر، استقل بأن يحرك الملك قلنسوته لأجله، لا لأجل طلب المدعى. اما لأجل أن عقربا وقع على قلنسوته، فى ذلك الوقت، أو لأجل أنه تألم رأسه من تلك القلنسوة فى ذلك الوقت، أو لأجل أن انسانا آخر أشار إليه اشارة، اقتضت أن يحرك الملك قلنسوته. و بالجملة: فالمعلوم أنه لا بد للملك من غرض فى تحريك القلنسوة، فأما أنه لا غرض الا تصديق هذا المدعى، فهذا لا شك أنه ظاهر. و اما القطع فلا سبيل إليه.
المقام الثانى: هب أنه ثبت هذا المعنى فى الشاهد، فكيف يقيسون الغائب عليه؟
و طريق السؤال عليه من وجهين: الأول: ان القياس لا يفيد اليقين. لاحتمال أن ما لأجله وقعت المفارقة بين الأصل و الفرع: معتبرا فى الأصل أو مانعا فى الفرع.
الثانى: انا عارفون بأحوال ذلك الملك و بأخلاقه و مناهج أفعاله، فلا جرم يمكننا أن نعرف أنه انما فعل ذلك الفعل، لأجل ذلك الغرض.
و أما أنواع حكم الله تعالى فى أفعاله و مخلوقاته، فليس لأحد سبيل