الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٢
الاعتراض الرابع:
سلمنا أن أفعال الله تعالى معللة برعاية الأغراض و المقاصد. الا أنكم لم قلتم: انه لا غرض لله تعالى و لا مقصود له من خلق هذه المعجزات الا تصديق هذا المدعى؟ و ما الدليل على هذا الحصر؟
ثم انا نذكر وجوها أخر على سبيل التبرع:
الأول: ان جملة هذه الأفعال الموافقة للعادات، لا بد أن يكون لها أول. لما ثبت أن العالم محدث، و حدوث كل واحد منها فى المرة الأولى يكون على خلاف العادة، ثم انه تعالى جعل ذلك دائما مستمرا فيما بعد ذلك. فكذا هاهنا لم لا يجوز أن يقال: إنه سبحانه و تعالى أراد أن يبدأ باحداث هذا الفعل الخارق للعادة. ثم انه يديمه بعد ذلك، و يجعله عادة مستمرة بعد ذلك؟ و بالجملة: فلم لا يجوز أن يكون هذا الّذي حدث هو ابتداء عادة، و ستصير مستمرة بعده؟
الثانى: انه يجوز أن يكون حدوث هذا الشيء على سبيل العادة، الا أنه عادة لا تحصل الا فى أزمنة متطاولة. و ذلك لأن دور الفلك الثامن لا يتم- عند بعضهم- الا فى مدة ستة و ثلاثين ألف سنة. و على هذا تكون العادة المستمرة المطردة: هو أن كل كوكب يحصل فى كل ستة و ثلاثين ألف سنة فى موضع معين من الفلك. فمن نظر الى حصوله فى ذلك الوقت ظن أنه خارق للعادة، و من عرف الوضع المقتضى لذلك، علم أنه عادة متطاولة، فكذا هاهنا يجوز أن يقال: هذا الّذي حدث، انما حدث على وفق عادة متطاولة.
الثالث: انه لما انشق القمر على السماء، فلعل انسانا آخر فى جانب آخر من الأرض، ادعى النبوة، و طلب من الله تعالى اظهار المعجزة فى هذا الوقت، و هو تعالى انما أظهره فى ذلك الوقت تصديقا لذلك الانسان، لا لهذا الانسان.