السيرة النبوية و أخبار الخلفاء - التميمي، أبو حاتم - الصفحة ٢٨٥ - ثم كانت غزوة الحديبية
- [١] و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي في الحرم و هو مضطرب في الحل [١]- قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «يا أيها الناس! انحروا و احلقوا»، فما قام رجل من المسلمين، فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على أم سلمة فقال: «يا أم سلمة! ما شأن الناس؟» قال له: يا رسول اللّه! قد أحل بهم ما رأيت كأنهم كرهوا الصلح، فاعمد [٢] إلى هديك حيث كان و انحر و احلق، فإنك لو فعلت ذلك فعلوا، فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يكلم [٣] أحدا حتى أتى هديه فنحرها ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون و يحلقون، فحلق رجال منهم و قصر آخرون، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
«يرحم اللّه المحلقين»! قالوا: يا رسول اللّه! و المقصرين؟ قال: «و المقصرين»! قالوا [٤]: ما بال المحلقين [٥] يا رسول اللّه ذكرت لهم الترحم؟ قال: «لأنهم لم يشكوا أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) البيعة على الناس تحت الشجرة هناك أن لا يفروا»، فبايعه الناس كلهم غير الجد [٦] بن قيس، اختبأ تحت إبط بعيره، فذلك قول اللّه عز
بيني و بينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، قال: فجعل ينتره بلببه و يجره ليرده إلى قريش، و جعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أرد إلى المشركين! يفتنوني في ديني، فزاد الناس ذلك شرا إلى ما بهم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «يا أبا جندل! احتسب، فإن اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا، إنا قد عقدنا بيننا و بين القوم عقدا و صلحا و أعطيناهم على ذلك و أعطونا عهدا، و إنا لا نغدر بهم»، قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه و يقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون و إنما دم أحدهم دم كلب، قال: و يدني قائم السيف منه، قال يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه. فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين و رجالا من المشركين».
(١- ١) ليست في الطبري و لا في المغازي، و أما «كان يصلي في الحرم» فمعناه: كان يصلي في الإحرام، كما في حديث آخر «أطيبه (صلى اللّه عليه و سلم) لحله و حرمه» راجع مجمع بحار الأنوار.
[٢] وقع في الأصل «فاعمر (و بعلامة النسخة: فاغد) إلى هذيل حيث كان و انحر» كذا مصحفا، و في المغازي ٢/ ٦١٣ «انطق أنت إلى هديك فانحره».
[٣] و في الطبري «فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك».
[٤] من الطبري، و في الأصل «قال» كذا.
[٥] و في الطبري «فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين».
[٦] له ترجمة في الإصابة ١/ ٢٣٨ و فيه «جد بن قيس بن صخر الأنصاري أبو عبد اللّه ...».