وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٧٧ - بين عمر و العباس
المسجد كانت ملاصقة للمسجد، و لم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه، فباعها، فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم، فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد، فامتنعت و قالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارا أوسع منها و نجعل لك طريقا مثلها، فسلّمت و رضيت.
قلت: هذه القصة إنما ذكرها ابن شبة في دار حفصة التي في قبلة المسجد، و ذكر معها شراءها لدار أبي بكر المذكورة بصيغة تقتضي التضعيف، و اقتضى ذلك أن دار أبي بكر كانت في قبلة المسجد على تلك الرواية الضعيفة، و أن طريق آل عمر اليوم منها، فنسب إليه الحافظ ابن حجر الجزم به، و ليس الأمر كذلك كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع عشر.
و قال يحيى في روايته المتقدمة: و جعل أساطينه من جذوع نخل و سقفه بالجريد ذراعين فوق المسجد سترة حائطه ثلاثة أذرع، و عبر ابن النجار عن ذلك بقوله: و سقفه جريد ذراعان، و بنى فوق ظهره سترة ثلاثة أذرع، انتهى. و الذي يظهر أن في عبارة يحيى خللا، و تبعه عليه ابن النجار، و أن المراد ما ذكره رزين في هذه الرواية بعينها، فإنه قال فيها:
و جعل عمر سترة المسجد فوقه ذراعين أو ثلاثة، فكأن لفظ «أو» سقط قبل قوله ثلاثة أذرع.
و قال يحيى و رزين عقب ذلك: و كان بنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، زاد يحيى:
و كان لبنه ضربه بالبقيع، و جعل له ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة، و بابين عن يسارها، و بابين خلف القبلة، و لم يغير باب عاتكة- أي المعروف بباب الرحمة- و لا الباب الذي كان يدخل منه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو فتح الباب الذي عند القبر، فهذان البابان من الشق الأيسر: أي المشرق، و فتح الباب الذي عند دار مروان بن الحكم، و فتح بابين من مؤخر المسجد، انتهى.
و قوله: «إنه لم يغير باب عاتكة، و لا الباب الذي كان يدخل منه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)» مسلم في الباب الذي كان يدخل منه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم). قال المراغي تبعا للمطري: و هو باب جبريل؛ لأنه لم يزد في جهة المشرق شيئا، و أما باب عاتكة ففيه نظر؛ لأنه زاد من جهة المغرب كما تقدم، فالمراد بكونه لم يغير أنه أخره في محاذاة الباب الأول، و هذه الرواية تقتضي أن الباب المعروف اليوم بباب النساء لم يكن موجودا في زمن عمر (رضي الله عنه)؛ لأن المستفاد مما ذكره أن الباب الذي زاده في جهة المشرق جعله عند القبر، و لعله تصحيف؛ لأنه إذا لم يزد من جهة المشرق شيئا كيف يحدث بابا عند القبر و يترك الجهة التي زادها من جهة الشام بغير باب؟ و المنقول كما سيأتي أن إحداث الباب الذي عند القبر إنما هو في زيادة الوليد، و سيأتي