وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٧٥ - بين عمر و العباس
عنه عن الأعمش قال: بنى عباس بن عبد المطلب داره التي إلى جنب المسجد، فجعل يرتجز يقول:
بنيتها باللبن و الحجاره * * * و الخشبات فوقها مطاره
يا ربنا بارك لأهل الداره
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): اللهم بارك في هذه الداره، قال: و جعل العباس ميزابها لاصقا بباب المسجد يصب عليه، فطرحه عمر بن الخطاب، فقال عباس: أما و اللّه ما شده إلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و إنه لعلى منكبي، فقال له عمر: لا جرم و اللّه لا تشده إلا و أنت على منكبي، فشده عمر، و ابتاع عثمان بن عفان تلك الدار فزادها في المسجد إلا ثلاثة عشر ذراعا أو أربعة عشر ذراعا، فقال: لا أدري كان ابتاع البقية أم لا؟
قلت: فالذي يظهر أن العباس أبقى لنفسه بقية الدار بعد أخذ ما احتيج إلى زيادته منها، و أنه كان في تلك البقية ميزاب، فلما أحدث عمر الباب الذي عند دار مروان كما سيأتي صار الميزاب يصب على الباب في طريق المسجد، ثم اشترى عثمان من تلك البقية ما احتاج إلى إدخاله في زيادته.
و روى ابن أبي الدنيا قصة دار العباس هذه مطولة، و قال: إن العباس قال لعمر: أما و اللّه ما شده إلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أنا معه، حملني و اللّه على عاتقه حين شده، قال: و بعض الناس يقول: بل العباس حمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
قال محمد بن عقبة- يعني رواية-: ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ليضع قدميه على رقبة أبيه أو عمه، و لكنه حمل العباس على عاتقه، و قول يحيى في رواية ابن عمر المتقدمة «و كانت- يعني دار العباس- فيما بين الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم» أي و الباب الذي يلي دار مروان لدخول بعضها في دار مروان. قال الزين المراغي: و سيأتي بيان المربعة، أي في زيادة عثمان (رضي الله عنه)، و قد ذكر هناك تبعا للمطري أنها الأسطوانة التي في وصف الأساطين التي تلي القبلة، و قد رفع أسفلها مربعا قدر الجلسة.
قلت: و التي تليها مربعة أيضا، و هي التي تلي دار مروان؛ فهي المراد هنا كما قدمنا الإشارة إليه في تحديد المسجد النبوي، و هي الخامسة من المنبر في جهة المغرب، فيكون ابتداء زيادة عمر (رضي الله عنه) من جهة المغرب من الأسطوانة المذكورة، خلاف قول المطري و المراغي إن المربعة التي ذكراها قبل هذه منتهى زيادة عمر (رضي الله عنه)، و كيف يكون منتهى زيادته مع كونها مبتدأ دار العباس التي هي أول الزيادة؟ و أيضا فذرع ما بين الأسطوان التي ذكراها و الحجرة الشريفة نحو تسعين ذراعا، و قد قال يحيى في رواية ابن عمر أيضا «إن المسجد كان طوله أي من القبلة إلى الشام على عهد عمر (رضي الله عنه) أربعين