وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٩ - خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء بالرصاص، و ذكر السبب في ذلك، و ما ناسبه
قلت: و نقل ابن عذرة في كتاب «تأسي أهل الإيمان، فيما جرى على مدينة القيروان» لابن سعدون القيرواني ما لفظه: ثم أرسل الحاكم بأمر اللّه إلى مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) من ينبش قبر النبي، فدخل الذي أراد نبشه دارا بقرب المسجد و حفر تحت الأرض ليصل إلى قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فرأوا أثوارا، و سمع صائح: إن بنيكم ينبش، ففتش الناس فوجدوهم و قتلوهم، انتهى.
و مما يناسب ذلك ما ذكره المحب الطبري في الرياض النضرة في فضائل العشرة، قال:
أخبرني هارون بن الشيخ عمر بن الزعب- و هو ثقة صدوق مشهور بالخير و الصلاة و العبادة- عن أبيه، و كان من الرجال الكبار- قال: كنت مجاورا بالمدينة و شيخ خدام النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إذ ذاك شمس الدين صواب اللمطي، و كان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء و الشفقة عليهم، و كان بيني و بينه أنس فقال لي يوما: أخبرك بعجيبة، كان لي صاحب يجلس عند الأمير و يأتيني من خبره بما تمس حاجتي إليه، فبينما أنا ذات يوم إذ جاءني فقال: أمر عظيم حدث اليوم، قلت: و ما هو؟ قال: جاء قوم من أهل حلب و بذلوا للأمير بذلا كثيرا، و سألوه أن يمكنهم من فتح الحجرة و إخراج أبي بكر و عمر (رضي الله عنهما) منها، فأجابهم إلى ذلك، قال صواب: فاهتمت لذلك هما عظيما، فلم أنشب أن جاء رسول الأمير يدعوني إليه، فأجبته، فقال لي: يا صواب يدقّ عليك الليلة أقوام المسجد، فافتح لهم، و مكنهم مما أرادوا و لا تعارضهم، و لا تعترض عليهم، قال: فقلت له: سمعا و طاعة، قال: و خرجت و لم أزل يومي أجمع خلف الحجرة أبكي لا ترقأ لي دمعة و لا يشعر أحد ما بي، حتى إذا كان الليل و صلينا العشاء الآخرة و خرج الناس من المسجد و غلقنا الأبواب فلم ننشب أن دقّ الباب الذي حذاء باب الأمير، أي باب السلام، فإن الأمير كان سكنه حينئذ بالحصن العتيق.
قال: ففتحت الباب، فدخل أربعون رجلا أعدهم واحدا بعد واحد، و معهم المساحي و المكاتل و الشموع و آلات الهدم و الحفر. قال: و قصدوا الحجرة الشريفة، فو اللّه ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم بجميع ما كان معهم من الآلات، و لم يبق لهم أثر.
قال: فاستبطأ الأمير خبرهم، فدعاني، و قال: يا صواب أ لم يأتك القوم؟ قلت: بلى، و لكن اتفق لهم ما هو كيت و كيت، قال: انظر ما تقول، قلت: هو ذلك، و قم فانظر هل ترى منهم باقية أو لهم أثرا، فقال: هذا موضع هذا الحديث، و إن ظهر منك كان يقطع رأسك، ثم خرجت عنه، قال المحب الطبري: فلما وعيت هذه الحكاية عن هارون حكيتها لجماعة من الأصحاب فيهم من أثق بحديثه فقال: و أنا كنت حاضرا في بعض الأيام عند الشيخ أبي عبد اللّه القرطبي بالمدينة و الشيخ شمس الدين صواب يحكي له هذه الحكاية سمعتها بأذني من فيه، انتهى ما ذكره الطبري.