وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٣٣ - الفصل الرابع و العشرون في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف، و المسماة الفضة المواجه للوجه الشريف، و مقام جبريل من الحجرة الشريفة، و كسوتها، و تخليقها
اللوح السماقي اللون الثاني في تلك الجهة من الألواح الملونة التي يحيط بها الرخام الأبيض البارز قطعة أوسع من الديا نار ملصقة في ظاهر اللوح المذكور بالجص، فأشيع أنها جوهرة نفيسة ذات لمعان، ثم إن متولي العمارة أرانيها فإذا هي حجر عسلي اللون يميل حمرته إلى الصفرة، قال: و أظنه حجر اليرقان، و قد خشي عليه متولي العمارة إن أعيد لصقا كهيئته الأولى، فأمر بنقر الرخامة المذكورة و تنزيله فيها، ففعلوا ذلك، و أعادوا تلك الرخامة إلى محلها.
و لم أر من نبه على ابتداء حدوث الرخام الذي حول الحجرة الشريفة بالأرض و الظاهر أنه حدث عند حدوث تأزيرها بالرخام؛ لما تقدم من كلام يحيى في أمر الحجر الذي كان يتبرك به من أن الحسين بن عبد اللّه كان يكشف عنه الحصى، و أنه لم يدخل في البناء، و أنه فقده عند تأزير الحجرة بالرخام، فدل ذلك على أنه رخم الأرض أيضا، و إلا لما استتر الحجر المذكور.
و أما ترخيم المصلّى الشريف فلا أدري متى زمن حدوثه، و له ذكر في رحلة ابن جبير.
و أما الرخام الذي بالمحراب العثماني و ما حوله فالقديم منه- أعني بعد الحريق الأول- ترخيم المحراب و شيء يسير عن جنبتيه، و في دولة السلطان الملك الظاهر جقمق في أول عشر الستين و ثمانمائة أمر بعمل الوزرة التي في الجدار القبلي، فاتصل ذلك بترخيم المحراب المذكور، و قد جدد غالب ذلك في العمارة التي أدركناها أيضا، و أبدل الطراز الأول الذي كان بأعلى الوزرة و كان محمرا بماء الذهب الطراز الموجود اليوم، ثم زال ذلك كله في حريق المسجد الثاني، ثم أعيد مع زيادة فيه مما يلي المنارة الرئيسية، و مع ترخم ما حول الحجرة الشريفة و تأزيرها بالرخام، و مع ما سبق من عمل محراب المصلى الشريف و ترخيمه، و رخموا أيضا الدعائم المواجهة للوجه الشريف التي أحدثوها عند عمارة القبة الثانية من داخل المقصورة و خارجها، و جميع ما يوجد من الرخام بالمسجد اليوم من عمل سلطان زماننا الأشرف قايتباي، أعز اللّه أنصاره، و ضاعف اقتداره! و اللّه أعلم.
الفصل الرابع و العشرون في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف، و المسماة الفضة المواجه للوجه الشريف، و مقام جبريل من الحجرة الشريفة، و كسوتها، و تخليقها
أما الصندوق فلم أعلم ابتداء حدوثه، و كذلك القائم المحلّى فوقه، إلا أنه قد ظهر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أنه كان موجودا قبل حريق المسجد الأول؛ لأن متولي العمارة كان قد قلعه لاقتضاء رأيه قلع حلية الفضة التي كانت على القائم الخشب الذي فوق الصندوق ليحكم صوغها، و زاد ذلك فضة و تمويها بالذهب، و أصلح حلية الصندوق أيضا،