وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٣٤ - الفصل الرابع و العشرون في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف، و المسماة الفضة المواجه للوجه الشريف، و مقام جبريل من الحجرة الشريفة، و كسوتها، و تخليقها
و كان ذلك سببا لإصلاح أصل الأسطوانة التي كان بها، فلما قلعوا الصندوق المذكور ظهر فيه قوائم صندوق عتيق، و في تلك القوائم أثر الحريق، و كأنهم جددوا عليه صندوقا، و جعلوا ذلك المحترق في جوفه، و قد أعيد كذلك.
و قد ذكر المجد الشيرازي هذا الصندوق و القائم فقال: و في الصفحة الغربية من الحجرة الشريفة صندوق آبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها، هو قبالة رأس النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و فيه أسطوان، و فوق الصندوق قائم من خشب مجدد، و أما الصندوق فطوله خمسة أشبار و عرضه ثلاثة أشبار و ارتفاعه في الهواء أربعة أشبار.
قلت: و قد ظفرت بذلك كله في كلام ابن جبير في رحلته، غير ما يتعلق بالقائم المذكور، و من ذلك أخذ المجد وصف القائم بكونه مجددا، و كانت رحلة ابن جبير عام ثمانين و خمسمائة، فاستفدنا بذلك وجود ذلك الصندوق قبل الحريق في ذلك الزمان، و ما ذكره من أن الصندوق المذكور قبالة الرأس الشريف فيه تجوّز؛ لأنه قد ظهر لنا في هذه العمارة أنه في محاذاة الجدار الداخل القبلي، و سيأتي أن الوجه الشريف إلى الجدار؛ فالرأس الشريف متأخر عن الصندوق المذكور يسيرا.
و مستند المجد و غيره في هذا الإطلاق ما روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (رضي الله عنه) عن أبيه عن جده أنه كان إذا جاء يسلم على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة، ثم يسلم، ثم يقول: هاهنا رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و المراد به ما قدمناه، و اللّه أعلم.
و ذرع الصندوق المذكور في الارتفاع ذراع و نصف و ربع بذراع اليد، و أعلى القائم فوقه محاذ لرأس الوزرة الرخام، و طول القائم المذكور ثلاثة أذرع، و هو خمس صفحات ألصق بعضها على بعض و جعلت محيطة بما ظهر من الأسطوانة التي الصندوق بأصلها فوقه؛ فإن بعض الأسطوانة في البناء الملاصق لها من الحائز المذكور و لو أحاطت الصفحات بجميع الأسطوانة لكانت أكثر من خمس، و لكانت شكلها مثمنا، و هو مختم بالخشب الأسود الهندي، معصب بصفائح الفضة المموهة طولا و عرضا بأحسن صناعة، و صفائحه الطولية من الفضة أربع، و المقاطعة لها من جهة العرض خمس، و في رأسه من أعلاه حلية رقيقة كالزيق، وزنة ما عليه من الفضة زيادة على ألفي قفلة، و أخذوا لأجل تمويهه من حاصل المسجد أربعين مثقالا من الذهب كما أخبرني به متولي العمارة.
و أما الصندوق فلم يغير، كله مغشى بالفضة، و قد احترق في حريق المسجد الثاني، و وجدوا حليته من الفضة، فجددوا صندوقا في محله و جعلوا موضع القائم الذي كان فوقه رخاما كتوبا فيه البسملة و الصلاة و التسليم على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و الترضي عن أصحابه و غير ذلك.