الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٨٩ - لماذا المسجد أولا
و اجتماعيا، ماديا، و معنويا، كما و يختلفون في طموحاتهم، و تطلعاتهم، و في مشاعرهم، و في علاقاتهم، ثم في نظرة الناس إليهم، و مواقفهم منهم، و تعاملهم معهم، إلى غير ذلك من وجوه التباين و الاختلاف، و قد ترك الجميع أوطانهم و أصبحوا بلا أموال، و بلا مسكن، إلى غير ذلك مما هو معلوم، و كذلك الأنصار؛ فإنهم أيضا كانوا فئتين متنافستين، لم تزل الحرب بينهما قائمة على ساق و قدم إلى عهد قريب.
و قد أراد الإسلام أن ينصهر الجميع في بوتقة الإسلام ليصبحوا كالجسد الواحد، في توادهم و في تراحمهم و تعاونهم، و غير ذلك، و أن تتوحد جهودهم و أهدافهم، و حركتهم، و مواقفهم، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى إعداد و تربية نفسية، و خلقية، و فكرية لكل هذه الفئات، لتستطيع أن تتعايش مع بعضها البعض، و لتكون في مستوى المسؤولية، التي يؤهلها لها في عملية بناء للمجتمع المتكافل المتماسك الذي هو نواة الأمة الواحدة التي لها رب واحد و هدف واحد، و مصير واحد.
و ليصبح هذا المجتمع قادرا على تحمل مسؤولية حماية الرسالة، و الدفاع عنها، حينما يفرض عليه أن يواجه تحدي اليهود في المدينة، و العرب و المشركين، بل و العالم بأسره، لا بد أن تنصهر كل الطاقات و القدرات الفكرية و المادية و غيرها لهذا المجتمع في سبيل خدمة الهدف: الرسالة فقط.
و المسجد هو الذي يمكن فيه تحقيق كل ذلك، إذ لم يكن مجرد محل للعبادة فقط و لا غير، بل كان هو الوسيلة الفضلى للتثقيف الفكري، إن لم نقل: إنه لا يزال حتى الآن أفضل وسيلة لوحدة الثقافة و الفكر و الرأي، حينما يفترض فيها أن تكون من مصدر واحد، و تخدم هدفا واحدا في جميع