الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٣٥٢ - منطلقات خاطئة لتحليلات و خيالات
لم يجدوا بدا من الدخول في دين اللّه تعالى.
و جبر اللّه تبارك و تعالى أهل مكة بهذه الغزوة، و فرّحهم بما نالوا من النصر و المغنم، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم.
و إن كان عين جبرهم و قهرهم تمام نعمته عليهم، بما صرفه عنهم من شر من كان يجاورهم من أشراف العرب، من هوازن و ثقيف، بما أوقع بهم من الكسرة، و بما قيّض لهم من دخولهم في الإسلام، و لو لا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها.
و من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها اللّه سبحانه و تعالى لمسبباتها قدرا و شرعا، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أكمل الخلق توكلا، فقد دخل مكة و البيضة على رأسه، و لبس يوم حنين درعين، و قد أنزل اللّه سبحانه و تعالى: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ [١]. و كثير ممن لا تحقيق عنده يستشكل هذا و يتكايس في الجواب، تارة: بأن هذا فعله «صلى اللّه عليه و آله» تعليما لأمته، و تارة: بأن هذا كان قبل نزول الآية! !
لو تأمل: أن ضمان اللّه سبحانه و تعالى له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها، فإن هذا الضمان له من ربه تبارك و تعالى لا ينافي احتراسه من الناس و لا ينافيه، كما أن إخبار اللّه عز و جل له بأنه يظهره على الدين كله و يعليه، لا يناقض أمره بالقتال، و إعداد العدة و القوة، و رباط الخيل، و الأخذ بالجد و الحذر، و الإحتراس من عدوه، و محاربته بأنواع الحرب، و التورية، فكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، و ذلك لأنه إخبار من اللّه تعالى
[١] الآية ٦٧ من سورة المائدة.