الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١١٨ - بين خشية الناس، و خشية اللّه
مٰا كٰانَ عَلَى اَلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمٰا فَرَضَ اَللّٰهُ لَهُ سُنَّةَ اَللّٰهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ قَدَراً مَقْدُوراً اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالاٰتِ اَللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاٰ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللّٰهَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً .
حيث دلت هذه الآيات المباركات: على أن عليه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقدم على هذا الأمر برضا نفس، و بسكينة تامة، و أن لا يخشى أحدا من الناس فيه. فإن تشنيعاتهم لا تصل إلى نتيجة.
كما أن الحسيب الذي لا يحيف، و يزن بميزان الحق و العدل هو اللّه وحده. أما البشر فإنهم يخلطون الحق بالباطل، و تتدخل أهواؤهم و مصالحهم، و عصبياتهم في حساباتهم، و في محاسباتهم، فلا عبرة بها، فما عليه إلا أن يعرض عنها، فلا يقيم لها وزنا، و عليه أن يكتفي بمراعاة جانب الحسيب الصادق و العادل، و الدقيق، و هو اللّه تعالى: وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً .
فاتضح: أن هذه الآيات المباركات ليس فقط لا تتضمن ذما و لا لوما لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما هي تعلن بمدحه، و سمو مقامه، و هي تبرّئه مما قد ينسبه إليه الجاهلون و المغرضون، و الحاقدون، و الذين في قلوبهم مرض.
لأنها تضمنت الإلماح إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخشى من تطاول الناس على مقام النبوة الأقدس، و أن ينالوه بمقالاتهم القبيحة، الأمر الذي يحمل معه أخطار الحد من قدرته على نشر كلمة اللّه تعالى فيهم، و في غيرهم ممن بعثه اللّه تعالى إليهم.
فجاء التطمين الإلهي ليقول له: إن اللّه هو المتكفل برد عاديتهم، و إبطال كيدهم، فلا داعي للخوف و لا مجال للتحرج في هذا الأمر.