نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٤ - عنده مفاتح الغيب الخمسة
قطعية لحد الآن، وكذلك نزول الغيث حيث يستنبأ بنزوله قبل هطوله بقليل.
الجواب: الكلام لا يدور فقط حول جنس الجنين بل إنّ اللَّه سبحانه يعلم عدد الأجنة الموجودة في الأرحام، ووضعيتها واستعداداتها وأذواقها، ومواهبها، وقدراتها وضعفها وجميع خصوصياتها، وهكذا عن الغيث، فقد أحاط علمه بكمية الغيث ونوعيته وعدد قطراته ووزنها ومحل سقوطها. ولا أحد يمكنه أن يحيط علماً بهذه الأمور وبأي وسيلة كانت.
والشاهد على كلامنا هذا هو حديث ورد في نهج البلاغة حول تفسير هذه الآية:
«فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما فِي الْارْحامِ مِنْ ذَكَرٍ او انْثى وَقَبيحٍ اوْ جَميلٍ وَسَخِيٍّ اوْ بَخيلٍ ...
فَهذا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذي لايَعْلَمُهُ احَدٌ الَّا اللَّهُ» [١].
تدلّ هذه العبارة بوضوح على أنّ المقصود هو العلم بجميع صفات الجنين الجسمية والروحية، لا جنس الجنين فقط.
السؤال الثاني: كيف يمكن الجمع بين هذه الآية والروايات الكثيرة التي وردت في تفسيرها وبين الروايات الكثيرة التي صرحت بأنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام كانوا يُخبرون عن حوادث المستقبل، أو يوم وفاتهم، ومحل دفنهم، وسائر الامور المستقبلية، ألا يوجد تعارض بين هاتين المجموعتين؟ لأنّ الآية تقول: «وَمَا تَدرِى نَفسٌ مَّاذَا تَكسِبُ غَداً وَمَا تَدرِى نَفسٌ بِأَىِّ أَرضٍ تَمُوتُ»؟
الجواب: يمكن الإجابة عن هذا الإشكال بأنّ الفرق هو في الإجمال والتفصيل بتوضيح أن ما يخبر به أولياء اللَّه أو الملائكة عن حوادث المستقبل وعلم الغيب ليس إلّاعلماً إجماليّاً، فمثلًا يعلمون بأنّ الشخص الفلاني سيموت في الغد، أمّا العلم بساعة ولحظة وفاته وبقية خصائصها فهو مختص به سبحانه، فهذا علم تفصيلي وكلي وشامل، في حين أنّ علم أولياء اللَّه علم إجمالي وجزئي.
وقد أراد بعض المفسرين الرد على هذا الإشكال عن طريق العلم الذاتي والعرضي
[١] نهج البلاغة، الخطبة ١٢٨.