نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٣ - ٥- الخير والشّر في الروايات الإسلاميّة
الفلاسفة بأنّ الأمور على خمسة أنواع: الأشياء التامّة الخير والتي يُستلزم صدورها من اللَّه عزّوجل، والأشياء التامّة الشر التي يستحيل صدورها من اللَّه عزّوجل، والأشياء التي يغلب خيرها وهي ضرورية الصدور من اللَّه أيضاً، والأشياء الغالبة الشّر أو التي تساوى خيرها وشرّها، فكلاهما لا يصدران من اللَّه تعالى، وما نراه من الحيوانات المؤذية في عالمنا فانَّ فوائده الوجوديّة أكثر من شره، «ولذلك خُلقوا» [١]. لذا يُحتمل أن يكون المقصود من خلق الشّر من قبل اللَّه تعالى هو الأمور التي فيها نسبة من الشّر، لكن خيرها غالب في المجموع.
والسؤال الآخر المطروح بصدد هذه الرواية هو: أنّ الرواية تقول بأنّ اللَّه يجري الخير والشّر على يد فئات مُختلفة من الناس، أفلا تُعطي هذه المسألة رائحة الجبر؟ وكيف يمكن للخالق الحكيم أن يجعل أفراداً وسيلة للشرّ والفساد؟ والجواب على هذا السؤال أيضاً، بالنظر لما مضى سابقاً، ليس بأمر مُعقّد، لأنّ هذه التعابير تُشير إلى التوحيد الأفعالي الإلهي، أي أنّ ذاته منتهى كُلّ شيء ولكن اللَّه قد منح الإنسان حرّية الإرادة وخيارها ومكّنه من أسباب الخير والشّر والصلاح والفساد ليبتليه، فالبشر هم الذين يُصمِّمون التصميم النهائي في انتخاب نوع الطريق، ونوع البرنامج السلوكي، ومُسلّماً أنّ اللَّه يجري أنواع الخير على يد الذين ينتهجون طريق الإيمان والعمل الصالح.
ومن هنا يتضح تفسير الآيات التي تقول: «فَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ* وَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ». (الزلزال/ ٧- ٨)
وخلاصة الكلام هو أنّ الشر بمفهومه العدمي ليس بمخلوقٍ إلهيّ، وما هو مخلوق شيئان:
١- الأمور الوجوديّة الأصل لكنها أسباب الأمور العدميّة، وقد ذكرنا أمثلتها.
٢- الأمور التي خيرها يغلب شرّها، أو بتعبير أخر شرها نِسْبي، كالكثير من سموم الحيوانات التي تؤدي إلى موت وهلاك الإنسان في حالات معينة، لكنها وكما نعلم مادّة صناعة الكثير من العقاقير الشافية من جهة اخرى، ويوجد في مراكز صناعة الأدوية أقسام لحفظ الثعابين الخطرة وذلك للاستفادة من سمومها، علاوةً على هذا فإنّ أنياب وسُمّ هذه
[١] مرآة العقول، ج ٢، ص ١٧١، باب الخير والشر، ح ١.