نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٢ - توضيح وبلاغ
ومن هنا يتضح معنى كلمة (حافظ) أيضاً، وتعتبر كلمة (حفيظ) التي هي صفة مشبهة أبلغ معنىً وأكثر ثباتاًمن كلمة (حافظ) التي هي اسم فاعل.
وعلى أيّة حال، فعندما تختص هذه الصفة باللَّه تعالى فإنّها تُعطي معنىً واسعاً يشمل حفظ اللَّه ورعايته لجميع الموجودات الماديّة والمعنويّة، والسماوات والأرض، وكذلك حفظ أعمال العباد، والشرائع والكتب السماوية، وحفظ الأنبياء والأئمّة المعصومين من المزالق (الخطايا)، وحفظ أي عهدٍ عاهد به عباده.
وعليه فإنّ (حافظية) اللَّه و (حفيظيته) تشمل مفاهيم اخرى (كالقيمومية).
ولولا الحفظ الإلهي لما بقي في السماء والأرض موجودٌ على قيد الحياة لحظة واحدة، كما ورد في الآية: «وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ وَيُرسِلُ عَلَيكُم حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوتُ تَوَفَّتهُ رُسُلُنَا وَهُم لَايُفَرِّطُونَ». (الأنعام/ ٦١)
يتضح من هذه الآية أنّ اللَّه قد أمر الملائكة بحفظ الناس من الحوادث والبلايا حتى وصول الأجل المعيَّن.
وقد ورد شبيهٌ لهذا المعنى في قوله تعالى: «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ يَحفَظُونَهُ مِن أَمرِ اللَّهِ». (الرعد/ ١١)
ونظيرهُ ما جاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة: «إِنَّ مع كل إنسانٍ ملكين يحفظانه فإذا جاء القدر خليّا بَينَهُ وبَينَهُ» [١].
وقد ورد في سورة الإنفطار أيضاً مايخص الملائكة المكلَّفين بحفظ وتسجيل أعمال العباد، قال تعالى: «وَإِنَّ عَلَيْكُم لَحَافِظِينَ* كِرَاماً كَاتِبِينَ* يَعلَمُونَ مَاتَفعَلُونَ».
(الإنفطار/ ١٠- ١٢)
وعليه فإنّ حفظ اللَّه، بالمعنى الواسع للكلمة، يتحقق عن طريق علمه وقدرته سبحانه من جهة، وعن طريق الملائكة المكلَّفين بإداء هذه المهمّة من جهةٍ اخرى.
وكلمة (رقيب) كما ورد في المفردات هي بالأصل مشتقّة من مادّة (رقبة) أي العنق، وأُطلقت فيما بعد على المحافظين والمراقبين، إمّا لكونهم يحفظون رقبة مَنْ يرعونَهُ
[١] نهج البلاغة، القصار الكلمات، الكلمة ٢٠١.