نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - ٤- أدلّة القائلين بالرؤية الظاهريّة
المعنوي أيضاً، والمقصود في هذه الآية هو المعنى الثاني لا الأول، وذلك بقرينة الآية التي سبقتها حيث تقول: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (المطففين/ ١٤)
إنّ المقصود هنا من الرَّين هو الرَّين المعنوي لا الظاهري.
والشاهد الآخر هو الآية الخامسة من سورة فُصّلت التي تخبر عن قول الكفار: «وَمِنْ بَيْنِنَا وَ بَيْنِكَ حِجَابٌ». ومن المُسلَّم أنّ الحجاب الذي كان بين الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله والكفّار لم يكُن حجاباً ظاهرياً.
وفي قوله تعالى: «جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً».
(الاسراء/ ٤٥)
وعليه فإنّ الكفّار محرومون من اللقاء المعنوي مع ذلك المحبوب، وذلك لوجود الحجاب بينهم وبين اللَّه تعالى، والآية الثالثة التي استعانوا بها لإثبات مقصودهم هي: «أَنَّهمْ مُّلاقُوا رَبِّهِمْ». (البقرة/ ٤٦)
وقالوا: إنّ الملاقاة تعني المشاهدة.
في حين أنّ الآيات القرآنية تدل بوضوح على أنّ اللقاء يوم القيامة بأي مفهومٍ كان لا يخص المؤمنين، بل يتساوى فيه المؤمن والكافر، بينما نجد أنّهم يعتقدون بأنّ رؤية اللَّه في القيامة خاصّة بالمؤمنين فقط، والدليل على عمومية اللقاء ما ورد في قوله تعالى:
«يَاايُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدحًا فَمُلَاقِيهِ». (الانشقاق/ ٦)
إذن فالمخاطَب في هذه الآية جميع الناس. و كما ورد في قوله تعالى: «فَأَعْقَبَهُم نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِم إِلَى يَومِ يَلْقَونَهُ بِمَا أَخلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوه وَبِمَا كَانُوا يَكذِبُونَ». (التوبة/ ٧٧)
فهذه الآية خاصّة بالمنافقين، وفي نفس الوقت فانّها تثبت أنّ لهم لقاء اللَّه، وعلى هذا يتضح أنّ لقاء اللَّه، بأيّ مفهومٍ كان، يشمل كلًا من المؤمنين والكافرين، في حين أنّهم يعتقدون باختصاص هذا الموضوع بالمؤمنين.
والجدير بالذكر أنّ كلمة (لقاء) في الأصل اللغوي بمعنى حدوث تماس بين شيئين، لا بمعنى الرؤية والمشاهدة، ونحن نعلم باستحالة تحقق هذا الأمر بخصوص الباري تعالى،