نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٧ - ٣- الإجابة عن سؤال
فهذه القاعدة الكليّة صادقة فقط بخصوص الأشياء التي لم تكُن من قبل وحدثت فيما بعد، لا بخصوص واجب الوجود الذي كان موجوداً منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد، فوجود أزليٌّ لا يحتاج إلى خالق، لكي نسأل عن خالقه!؟ فهو قائم بذاته ولم يكن معدوماً من قبلُ أبداً، لكي يحتاج إلى علّة وجوديّة.
وبتعبيرٍ آخر: إنّ وجوده من ذاته لا مِن خارج ذاته، وهو لم يكُن مخلوقاً، هذا من جهة، ومن جهةٍ أُخرى كان من الأفضل ل (برتراندراسل) ومؤيّديه أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال:
لو كان للَّهخالقٌ فسيرد نفس هذا الإشكال مع الخالق المفترض، وهو: من خلق ذلك الخالق!؟ ولو تكررت هذه المسألة وافترضنا أنّ لكلّ خالق خالقاً لأدى ذلك إلى التسلسل، وبطلانه من الواضحات، ولو توصَّلنا إلى وجودٍ يكون وجوده من ذاته ولا يحتاج إلى موجدٍ وخالق آخر (أي واجب الوجود)، فذلك هو اللَّه رب العالمين.
ويُمكن توضيح هذه المسألة ببيانٍ آخر وهو: إننا لو لم نكن من المؤمنين على سبيل الفرض وكُنّا نؤيّد عقيدة المادييّن، لواجهنا نفس هذا السؤال، فبتصديقنا قانون العليّة في الطبيعة، وأنّ كلّ شيء في العالم معلول لآخر، سيرد هذا السؤال الذي واجهه المؤمنون باللَّه تعالى وهو: لو كانت جميع الأشياء معلولة للمادّة فما هي العلّة التي أوجدت المادة إذن؟
وسيضطّرون أيضاً للقول: إنّ المادة أزليّة، وكانت موجودة منذ الأزل، وستبقى إلى الأبد، ولا تحتاج إلى علّة وجوديّة، وبتعبيرٍ آخر هي (واجب الوجود).
وعلى هذا الأساس نُلاحظ أنّ جميع فلاسفة العالم سواء الإلهيين منهم أو المادييّن يؤمنون بوجودٍ أزليٍّ واحدٍ، وجودٍ لا يحتاج إلى خالقٍ ومُوجد، بل كان موجوداً منذ الأزل.
والتفاوت الوحيد هو أنّ الماديين يعتقدون بأنّ العلّة الاولى فاقدة للعلم والمعرفة والعقل والشعور، ويعتقدون بأنّها جسم ولها زمان ومكان. لكن المؤمنين يعتقدون بأنّ العلّة الاولى ذات علمٍ وإرادة وهدف، وهو اللَّه تعالى وينزّهونه عن الجسميّة والزمان والمكان، بل يعتقدون بأنّه فوق الزمان والمكان.
وجميع الأدلة التي أوردناها سابقاً في بحوث معرفهّ اللَّه تعالى تؤيد هذه الحقيقة، وهي