نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٣ - جمع الآيات وتفسيرها
بعد أن أبطلت الآية الرابعة والأخيرة من بحثنا كل ألوان الشرك، فنّدت ماسواه من المعبودات، حيث قالت: «كُلُّ شَىْءٍ هالِكٌ إلّاوَجْهَهُ».
وهذه الجملة بالحقيقة هي بمنزلة الدليل على الحكم السابق، لأنّ الموجودات الفانية الزائلة لا تليق بالالوهيّة والعبادة، والوجود الوحيد الذي يليق بهذا المقام هو الباقي والقائم دائماً فقط.
وقد قُلنا: إنّ (الوجه) في اللغة يعني قرص الوجه، لكنها تستعمل في بعض الأحيان أيضاً بمعنى (الذات)- كما هو في بحثنا هذا، وما فسّره البعض بمعنى الدين أو العمل الصالح وما شاكله لا دليل عليه، إلّاأن يُؤّل بمعنى الذات الإلهيّة المقدّسة.
وعلى أيّة حال، فإنّ هذه الآية دليل واضح على أبديّة الذات الإلهيّة المقدّسة، ونعلم جميعاً أنّ الأبدية غير مفصولة عن الأزليّة.
والموجودات الاخرى من الأموال، الثروات، والمقامات والسموات والأرض، جميعها في زمرة الممكنات ولا تفنى وتهلك في النهاية فحسب، بل هي فانية وهالكة حتى في حالها الحاضر، لأنّها لاتملك في ذاتها شيئاً، ولولا الذات الإلهيّة المقدّسة التي تفيض عليها بالوجود لحظةً بعد اخرى، لفنت وهلكت.
ويظهر أنّ (الفناء) هُنا بمعنى موت الموجودات الحّية، أو بمعنى تلاشي الموجودات الاخرى، وعليه فلا تضاد بينها وبين الآيات التي تقول: بأنّ تُراب الإنسان يبقى ليصير مصدراً لحياته في الآخرة، أو التي تقول: بأنّ أجزاء الأرض والجبال تبقى بعد أن تتلاشى لينشأ منها عالم جديد.
ويرد هنا السؤال التالي وهو: يُستَنتَج من الآيات القرآنية أنّ كلًا من الجنّة والنار موجودتان حاليّاً ومُعَدّتان، حيث قال تعالى بخصوص الجنّة: «أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ».
(آل عمران/ ١٣٣)
وقال بخصوص النار: «أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ». (آل عمران/ ١٣١)
أفهل تفنيان في النهاية أيضاً؟
وفي الجواب على هذا السؤال، قيل: إنّه لا تنافي بين عموميّة الآية أعلاه مع استثناء