نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٤ - جهادكم
أمّا المقصود من «الجهر بالسوء»، فقد قال بعض المفسّرين: إنّه بمعنى لعن المظلوم للظالم، وفسّره البعض الآخر بالسّب والشتم، والبعض الآخر بمعنى الترافع إلى القاضي، أو بمعنى تعرية ظلم الظالمين أمام الناس في الغيبة والحضور.
«لكن مناسبة الحكم للموضوع» توجب إباحة هذه الأمور في مجال دفع الظلم، وكسب الرأي العام ضد الظالم فقط، لذا فمن الأفضل أن تنحصر مسألة سب وشتم الظالمين بالمجال الذي تكون عاملًا مساعداً للنهي عن المنكر ومحاربة الظلم والفساد.
وجملة «وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً» تصلح في أن تكون مستثنى، كما تصلح أن تكون مستثنى منه أيضاً، أي أنّها تحذير للمغتابين الذين لم يتعرضوا للظلم، كما أنّها تحذير للمظلومين لئلا يتعدوا حدود اللَّه، ويراعوا العدل والانصاف.
والجدير بالذكر هو أنّ السبب في ذكر صفتي السميع والعليم يكمن في تحدث الآية عن الجهر بالسوء ودوافعه الذاتيّة الخفية، فقالت: بأنّ اللَّه يسمع هذا الكلام، وهو عليم بنيّات المظلومين الذين يجهرون بمظلوميتهم.
وأمّا ماقاله البعض: من أنّ مفهوم الآية هو جواز رد الشتم بالمثل، كما لو قال أحد لشخص: (أيّها الزاني)، يجوز لهذا الشخص أن يرد عليه بذلك، خطأ كبير. لأنّه يجب مواجهة ظلم الظالم بإحقاق الحق، لا بارتكاب ظُلمٍ آخر، ويجب النهي عن المنكر ودفع شر الظالم، لا ارتكاب منكرٍ آخر وإيجاد ظالمٍ آخر.
على أيّة حال، فإنّ هذه الآية تدلّ على رفض الإسلام الركون إلى الظالمين، بعكس مانسبه البعض إلى السيّد المسيح عليه السلام من أنّه قال: «لو ضربك أحد على خدّك الأيمن، فقدم له خدَّك الايسر»!
جهادكم:
اللَّه يرى ويعلم، في الآية الرابعة نُلاحظ تعبيراً جديداً أيضاً، حيث أمرت الناس بالالتفات إلى هاتين الصفتين الإلهيتين (السميع والعليم)، قال تعالى: «وَقَاتِلُوا فِى سَبْيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا انَّ اللَّهَ سَمِيْعٌ عَلِيمٌ».