نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٠ - ٤- الخير والشّر في القرآن الكريم
ورد الخير في القرآن بمعنى (المال) (البقرة/ ١٨٠) وبمعنى (العلم) (البقرة/ ٢٦٩)، وبمعنى (الجهاد) (النساء/ ١٩)، وبمعنى (الأعمال الصالحة) (النساء/ ١٤٩)، وبمعنى (الإيمان) (الأنفال ٢٣)، وبمعنى (القرآن) (النحل/ ٣٠).
وبمعانٍ أُخرى أيضاً مثل (الناس الأخيار)، (الظن الحسن) (الولد الصالح)، (البستان والزرع) وما شاكل ذلك.
ويجدر الإلتفات إلى أنّ هذه الكلمة قد ذُكرت في القرآن ١٧٦ مرّة بصيغة المفرد و ١٢ مرّة بصيغة الجمع، في حين نجد أنّ الشر مذكور ٣٠ مرّة فقط بصيغتي المفرد والجمع!
وكلمة (شر) المضادّة لكلمة (خير) وردت بمعنى البلاء والمصيبة، العذاب، أنواع المكاره والشدائد، وجميع أنواع الوسوسة والفساد.
والمسألة الاخرى التي يلزم الإلتفات إليها هي أنّ القرآن قد اعتبر (الشّر) من مخلوقات اللَّه في قوله تعالى: «مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ». (الغلق/ ٢)
ويتبادر إلى الأذهان هنا سؤالان:
الأول: كيف يتناسب هذا التعبير مع عدميّة الشرور؟
والثاني: قول القرآن في آيةٍ اخرى: «الَّذِى أَحسَنَ كُلّ شىءٍ خَلَقَهُ». (السجدة/ ٧)
فكيف تتناسب هاتان الآيتان مع بعضهما؟ وبتعبيرٍ آخر: يظهر من الآية الثانية أنّ كل ما في الوجود ويصدق عليه تعبير (شيء) ومن مخلوقات اللَّه فهو حَسن، في حين أنّ الآية الأولى تأمر بالإستعاذة من (شرّ ما خلق).
وفي الإجابة عن السؤال الأول يجب القول: إنّ الآية المذكورة لم تعتبر أي مخلوقٍ شرّاً، بل تقول بإمكانية صيرورة بعض المخلوقات سبباً للشّر، أي بأن تعدم كمالًا، أو تغصب حقّاً، أو تُبعثر نظماً معيناً، لذا يبقى الشّر بنفس مفهومه العدمي الذي يُمكن أن يتحقق من قبل الناس الأشرار أو الشياطين. (تأمل جيداً).
ويُحتملُ أيضاً أن يكون قصد الآية هو الشّر النسبي لا المطلق، أو الشّر الغالب كأنياب الأفعى التي هي وسيلة دفاعيّة بالنسبة لها، ووسيلة شر بالنسبة للإنسان (أحياناً)، فالإنسان يعوذ باللَّه من قبيل هذه الموجودات.