نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٧ - ٢- هل للشرور حالة عدميّة؟
منبعاً لخيرٍ أكثر، إلى أن يصل إلى الوجود الإلهي المطلق اللامحدود الذي هو عين الخير المحض، ومصدر جميع الخيرات والبركات.
وعادةً مايلتجئون إلى هذا المثال البسيط لتوضيح عدميّة الشّر وهو: أننا نقول: (ذبح إنسانٍ بريء شرٌّ)، ولكن لنرى ما هو الشر هنا؟ هل هو قوة ذراع القاتل، أم قاطعية السكّين وجودة عملها، أم تأثُّر رقبة المقتول وظرافتها التي يستطيع الإنسان بواسطتها ممارسة كل أنواع الحركة (حركات الرقبة)؟ فمن المسلّم به أنّ أيّاً من هذه الأمور ليست بشرٍّ ونقص، فالشّر هنا هو انفصال أجزاء الرقبة والأوداج والعظام عن بعضها، ونحن نعلم بأنّ الإنفصال ليس إلّاأمراً عدميّاً.
وكذا قد يؤدّي أمر وجودي أحياناً- كغذاءٍ مسموم- إلى الموت، الذي هو أمر عدمي، لذا فهو شر، أو يؤدّي مكروب معين، الذي هو أمر وجودي، إلى الاصابة بمرض معين، ونحن نعلم بأنّ الموت ليس سوى انعدام الحياة، والمرض ليس إلّافقد السلامة.
ومن هنا يتضح للجميع جواب هذا السؤال وهو: (من خلق الشرور)؟
لأنّه عندما تكون الشرور أموراً عدميّة لايصح أساساً تصوّر وجودها أو موجدها.
نعم، يُمكن أحياناً أن تكون الأمور المسببّة للعدم أموراً وجودية (كالغذاء المسموم)، ولكن وكما قلنا لو تساوى خيرها وشرها أو غلب شرها أو كان شرها مطلقاً فإنّه لا يُمكن أن تلبس خلعة الوجود.
ويجدر التركيز في هذه النقطة أيضاً وهي: تساوي (الشر المطلق) مع (العدم المطلق) الذي ليس له وجود خارجي بتاتاً، لأنّ العدم المطلق نقيض الوجود.
أمّا (الشر النسبي) (الشيء الذي يُعد خيراً من جهة وشّراً من جهة ثانية) فله حصة من الوجود طبعاً، أو بتعبيرٍ آخر: فهو خليط من الوجود والعدم، ولكن كما قلنا فإنَّ قسماً واحداً من الشّر النسبي يتماشى مع حكمة اللَّه وهو الشيء الذي تغلب عليه حالة الخير، (تأمل جيداً).