نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦ - القرآن والمصائب الموقظة
القرآن والمصائب الموقظة:
نعود الآن إلى القرآن لنتأمل في ما يقول في هذا الخصوص، حتى يتسنى لنا وضع الدليل العقلي على محك البيان النقلي لنؤيده بواسطته.
ولكون القرآن كتاباً تربوياً عظيماً، ولارتباط موضوع بحثنا بالمسائل التربوية ارتباطاً وثيقاً جدّاً فقد تحدّث القرآن كثيراً حول هذه المسألة وبتعابير متنوعة ومختلفة من جملتها:
١- «وَمَا أَرسَلنَا فِى قَريَةٍ مِّن نَّبىٍّ إِلَّا أَخَذنَا أَهلَهَا بِالبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُم يَضَّرَّعُونَ». [١] [٢] (الأعراف/ ٩٤)
يُستنتَجُ من هذه الآية بوضوح أنّ الإيقاظ والتنبيه هو أحد أهداف الحوادث المزعجة التي كانت تُصيب الأقوام الغارقة في بحار الذنوب، وكان سِرّ مقارنة هذه الحوادث مع دعوات الأنبياء هو تهيأة الأرضية الخصبة لقبول دعواتهم، وتناغم (التكوين) مع (التشريع) يقّوي تأثير مواعظهم.
٢- «ظَهَرَ الفَسَادُ فِى البَرِّ وَالبَحرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُم يَرجِعُون». (الروم/ ٤١)
يُمكن الإستفادة من هذه الآية في بُعدَين مُختلِفين هما:
بُعد البلايا الذاتية (التي يُسببها الإنسان بنفسه) وبُعد البلايا والمصائب الموقِظة، وتوضِّحُ تناغُمَ هذا القسم من المصائب والحوادث غير المطلوبة، مع المسائل التربويّة وبرامج التكامل الإلهيّة.
٣- «وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ العَذَابِ الأَدْنى دُونَ العَذَابِ الأَكبَرِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ». (السجدة/ ٢١)
إنَّ تعبير (العذاب الأدنى) ذو مفهومٍ واسع يشمل أغلب الاحتمالات التي ذكرها المفسّرون، كُلًّا على حِدة، (المصائب والآلام والمتاعب، الاضرار الماليّة، الجفاف، القحط
[١] وردت آية مماثلة لهذه الآية في سورة الأنعام، الآية ٤٢.
[٢] «يضّرّعون» من مادّة «تضرّع» وتعني الخضوع والطلب المصحوب بالتواضع (و هي بالأصل مأخوذة من مادّة ضرع وتعني نزول الحليب في الثدي).