نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - القرآن والمصائب الذاتية الصنع
ويُضيف قائلًا في تكملة الآية: «لِيُذِيقَهُم بَعضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ».
اعتقد بعض المفسرين بأنّ هذه الآية تُشير إلى العقوبات والمجازاة الإلهيّة التي تصيب الناس بسبب (أعمالهم السيئة)، ولكن يبدو أن صدر الآية يُشير إلى وجود نوع من الرابطة التكوينيّة فيما بين (الفساد) و (الذنب)، وذيل الآية يُصدّق هذا المعنى أيضاً، لأنّه لم تُذكر كلمة (عقوبة) فيها، بل: «لِيُذِيقَهُم بَعضَ الَّذِى عَمِلُوا» لا (جزاء الذي عملوا)، ويُمكن أن يكون سبب استعمال كلمة «بعض» هو إبطال اللَّه مفعول بعض هذه النتائج الطبيعيّة بلطفه ورحمته.
وعلى أيّة حال فإنّ الآية أعلاه تدلّ على أنّ المفاسد الاجتماعية: كانعدام الأمن، الحروب، تسلُّط الظالمين، ابتلاء المظلومين، وأمثال ذلك وليدة عمل الإنسان نفسه، ويجب أن لا تُحتَسب أبداً على الخالق ويُشكّك بالعدل الإلهي بسببها. (تأمل جيّداً).
٣- يُفهم من آيات أُخرى أن سبب تغيّر النعم الإلهيّة هو تغيُّر أحوال الناس، حيث قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَايُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم». (الرعد/ ١١)
وقد بين نفس هذا المطلب في موضعٍ آخر مستعملًا كلمة (النعمة) بصريح العبارة، حيث قال تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَم يكُ مُغيِّراً نِّعمَةً أَنعَمَهَا عَلَى قَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم». (الأنفال/ ٥٣)
وبتعبيرٍ آخر أوضح: إنّ الفيض والرحمة الإلهيّة عامّة وواسعة، لكنها تُقسَّمُ بين الناس وفق الإستعدادت والاستحقاقات، فإن استفادوا من النعم بصورة صحيحة كانت دائمية أبديّة، وإن صارت وسيلةً للطغيان والظلم والجور والغرور والكفر، فلا ريب في أنّها تكون بلاءً، وهذا تأكيدٌ على أنَّ الكثير من المصائب التي تصيب الإنسان هي مِمّا كسبت يداه.
٤- وفي موردٍ آخر، وضمن الإشارة إلى ضيق صدور الناس، أشارت الآية التالية إشارةً لطيفة إلى العلاقة بين (المصائب) و (أعمال الناس).
قال تعالى: «وَإِذَا أَذقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ إِذَا هُم يَقنَطُونَ». (الروم/ ٣٦)