نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٠ - ٤- الرجوع إلى أدلّة العدل الإلهي
آخر، فمن قَبِلَ ذلك الاستدلال وتيقن من صحته لا ينتظر موافقة الآخرين أبداً، وإن قال أحدٌ خلاف ذلك لخطّأه، لا أنْ يتراجع عن عقيدته.
وخلاصة الكلام هو أنّ الحسن والقبح عقليان لا عقلائيان، والفرق شاسعٌ بين هذين الأمريْن، فدائرة أحدهما تشمل الحقائق الخارجيّة، والاخرى تشمل العقود القانونية.
وَنختتم هذا الكلام بجملة قصيرة حول أصل مسألة الحسن والقبح وهي: إنّ منكري هذه المسألة شأنهم شأن منكري الكثير من المسائل العقليّة الاخرى- فهم عادةً يُنكرونها باللسان أو عندما يتعرضون لضغط المسائل الاخرى التي لا يجدون لها حلّاً- فيتكلّمون بمثل هذا الكلام، وإلّا فهم من مؤيدى هذه العقيدة بعملهم، فلو وجّه إليهم أحدٌ صفعة قوية، أو أهان كرامتهم في المجتمع دون مبرر، أو قتل أبناءهم أمام أعينهم، لما تردّدوا حتى لحظة واحدة في توبيخه وذمّه ولجوّزوا لأنفسهم معاقبته!؟ سواءً كان هنالك قانون أو شريعة نازلة من قبل اللَّه أمْ لم تكن.
٤- الرجوع إلى أدلّة العدل الإلهي
بعد اتضاح مسألة الحسن والقبح، نعود إلى أصل الكلام، أي: الأدلة العقليّة على العدل الإلهي، ويوجد هنا دليلان مهمّان يُمكن إرجاع الأدلّة الاخرى إليهما.
الدليل الأول: ومصدره نفس نظرية الحسن والقبح تلك، فالظلم قبيح، واللَّه الحكيم لا يفعل القبيح أبداً، والظالم يستحق التوبيخ والملامة، ومُسَلَّمٌ أنّ وجوداً كاملًا لا يفعل شيئاً من هذا القبيل ليستحق اللوم والتوبيخ.
والعدل عكس ذلك، فهو دليل كمال الوجود وحكمته، والوجود الكامل من كل ناحية، والمنزّه عن كل عيبٍ ونقص لن يتخلى عن مثل هذا الشيء.
وهذا الدليل بقدرٍ من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى شرحٍ وتفصيلٍ أكثر، فهل يحتمل أحدٌ أن يلقي اللَّه جميع الأنبياء والأبرار والصالحين في نار جهنم، ويرسل جميع أشقياء وظالمي العالم إلى الجنّة؟!