نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - شرح المفردات
شرح المفردات:
إشتقتْ كلمة «صادق» من مادّة «صدق»، وكما قال الراغب: إنّها ضدّ الكذب، وبالأصل من أوصاف الكلام والأخبار، فأحياناً صادقة وأحياناً كاذبة، وأحياناً تُستعمل عرضاً في الإستفهام والأمر والدعاء أيضاً، كأنّ يقول أحد: (أَفُلان في الدار) أي إنّه يقصد بأنّه لا يدري بوجود فلان في الدار أو عدم وجوده، (لذا فقد نقول أحياناً: إنّه يكذب، فهو يعلم بوجود فلان في الدار).
وَحقيقة الصدق هي تطابُق الحديث مع الأعتقاد والواقع، لذا فلو تحدّث أحد طبق الواقع ولكن خلاف ما يعتَقِدُ به فهو كاذب، كقول المنافقين لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ»، فقال تعالى ردّاً عليهم: «وَاللَّهُ يَشهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ». (المنافقون/ ١)
وقد يُستعمل الكذب والصدق في مورد الأفعال والأعمال أيضاً، فمن يؤدّي أعماله وفق وظيفته الواجبة يُدعى صادقاً، وإذا عمل على خلافها يُدعى كاذباً، فمثلًا يُقال لِمَن يؤدّي حق الحرب والقتال: (صدق في القتال) وإن لم يفعل يُقال (كذب في القتال)، وآية: «لَقَد صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ»، التي نزلت بشأن تحقق رؤيا الرسول صلى الله عليه و آله بخصوص فتح مكة ودخول المسلمين المسجد الحرام منتصرين، نموذج على هذا المطلب [١].
و كلمة «صدقة» التي تُستعمل بخصوص الأموال التي يبذلها الإنسان في سبيل اللَّه بقصد القربة، إنّما سُميت بهذا الاسم لأنّ الإنسان يُصدّق بواسطتها إخلاصه بعمله، وكذلك تسمية المهر «صداق» لأنّه دليل عمليٌّ على صدق الزوج إزاء زوجته.
ولكن ما قاله الراغب حول عناصر الصدق الأساسيّة، ووجوب مطابقة الكلام للواقع، واعتقاد المتكلّم، محل اختلاف شديد بين العلماء، فاعتقد البعض منهم كفاية تطابُقه مع المُعتَقد فقط، واشترط البعض الآخر تطابُقه مع الواقع فقط، ولا محل هنا لشرح ذلك.
هذا في حين اعتقد (ابن فارس) في (مقاييس اللغة» بأنّ أصل «الصدق) هو القوّة الموجودة في شيء وإنّما سُمي الكلام المطابق للواقع صدقاً بسبب قوّته، لذا يُسمّى الرمح
[١] المفردات، مادة (صدق)، باختصار.