نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٦ - جمع الآيات وتفسيرها
وتعالى، منْ جُملتها: إنزال البلاء على العدو لا على الصديق والعقوبات الاستدراجيّة أي الإنعام مقابل الأعمال السيئة (ليحسب) الشخص المسيء أنّه يُحسن صنعاً، ثمَّ يعاقبه بعدها، والثالث: مجازاة العباد على أعمالهم [١].
وعلى أيّة حال فإنّ المكر الصحيح هو ما يصدر عن العالِم بعواقب الأمور وحقائق الأشياء الماضية والمستقبلية، إضافةً إلى قدرته المطلقة على القيام بتدبيره، ولكون هاتين الصفتين (العلم والقدرة اللامحدودتين) منحصرتين بذات الباري جلّ وعلا فهو «خير الماكرين».
والظريف هو أنّ وصف الباري بصفة «خَيرُ المَاكِرِينَ» قد ورد فقط في موضعين من القرآن الكريم، أحدهما في قصّة الهجرة التي تُعدّ من أهم مراحل حياة الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه و آله في قوله تعالى: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَ وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ المَاكِرِينَ». (الأنفال/ ٣٠)
وكما نعلم فإنّ مؤامرة قريش على قتل الرسول صلى الله عليه و آله زادت من عزيمته وقوّت من إرادته على الهجرة، الهجرة التي صارت سبباً في حدوث أكبر التحوّلات في تاريخ الإسلام وانتشار الحكومة الإسلامية في أنحاء العالَمِ، وهنا يتّضح غلبة المكر الإلهي.
والآخر في المؤامرات المشتركة التي حاكها اليهود والنصارى في محاربة الإسلام والرسول الأكرم صلى الله عليه و آله- الآية ٥٤ من سورة آل عمران- والتي كانت من أخطر المؤامرات، لكن اللَّه سبحانه قد أبطلها جميعاً.
وأخيراً فقد وُصِفَ الباري تعالى في الآية العاشرة والأخيرة بصفة: «خَيرُ الْوَارِثِينَ».
وهذه الصفة وردت مرّة واحدة فقط في القرآن الكريم عن قول زكريّا عليه السلام، في حين يُلاحَظ تكرار وصف الباري بصفة «وارث».
والسّر من وراء وصف الباري بهذه الصفة واضح تماماً لأنّه الوحيد الذي يبقى ويدوم ويرث العالمين، وأمّا سواه من الوارثين فسيكونون موروثين يوماً ما.
[١] تاج العروس في شرح القاموس، مادّة (مكر).