نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - جمع الآيات وتفسيرها
والآية الرابعة تحدّثت عن «خَيرُ الْفَاتِحِينَ»، وكلمة (فاتح) مشتقّة من مادّة (فتح)، فإن كانت بمعنى الحكم والقضاء فإنَّ مفهومها يعني «اللَّه خير الحاكمين»، وقد ذكرنا سبب ذلك فيما مضى، وإن كانت (فتح) بمعنى فتح كل شيءٍ مغلق، لكان سبحانه وتعالى أيضاً «خير الفاتحين»، لأنّه لايصعُب شيء مقابل قدرته، وإن كان المقصود منها فتح أبواب الرحمة فهو ذو رحمةٍ وسعت كل شيء في الوجود، في حين لو كانت هنالك رحمة في الموجودات الاخرى فهي محدودة وجزئيّة.
وبالحقيقة أنّ لكلمة (فتح) معاني كثيرة جدّاً تعود جميعها إلى أصل الفتح المطلق، فأحياناً فتح أبواب العلم والرحمة، وأحياناً حلّ عقدة النزاع بين شخصين، أو فتح (حل) عقدة الحرب، ويظهر أنّ تعبير «خَيْرُ الْفَاتِحِينَ» ذو معنىً واسعٍ جدّاً يشتمل على جميع هذه المعاني والمفاهيم.
وقد وصفت الآية الخامسة الباري تعالى بصفة «خَيْرُ الرَّازِقِينَ»، فالأرزاق التي يعطيها البعض لغيرهم (إنّ أمكن أن نسميّها بهذا الأسم) مشوبة بنقائص عديدة: محدودة، سريعة الزوال، لايُؤمَّل مُستقبلها، وأحياناً تعقبها المنّة والأذى الجسماني أو الروحاني، وأحياناً مصحوبة بالتحقير أو توقُّع ردّ الجميل.
في حين أنّ الأرزاق الإلهيّة لا تعرف الحدود، ولا يُخشى عليها من الزوال، ولا فيها أدنى شيء من المنّة والأذى وانتظار ردّ الجميل، بل هي تشمل حال الإنسان أو غيره منذ لحظة انعقاده كنطفة تكوينة في رحم امّه، وحتّى آخر لحظات حياته، وتشمل حال المستحقين والمؤهلين لها في يوم القيامة أيضاً، وبمستوىً أعلى وأسمى.
نقل أحد المفسّرين حكاية عن أحد خلفاء بغداد مع (بهلول) تعكس المباحث الواردة بصورة لطيفة.
يقول: قال خليفة بغداد لبهلول: تعال أُعطِكَ رزقك كل يوم لأُريحك من التفكير في طلب الرزق، فأجابه بهلول قائلًا: لولا بعض النقاط السلبيّة في عملك لقَبِلْت! أولًا: إنّك لا تعرف ما احتاجه، ثانياً: إنّك لا تعرف وقت حاجتي، ثالثاً: ولا تعلم مقدارها، رابعاً: قد