نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - جمع الآيات وتفسيرها
فوصفت الآية الأولى اللَّه سبحانه ب «خَيرُ الرَّاحِمِينَ»، لأنّ رحمته لا متناهية وتشمل المحب والمبغض، الصالح والطالح، فرحمته العامّة شملت الجميع، ورحمته الخاصّة خصّ بها عباده المؤمنين، وهو على أيّة حال لايريد منهم أي جزاءٍ أو ردٍ للجميل.
وقد وُصِفَ الباري في الآية الثانية بصفة «خَيرُ الحَاكِمِينَ»، لأنّ ما يحكم به الآخرون مقرون بأنواع الأخطاء والانحرافات الناتجة عن الميول الشخصيّة والطائفيّة، أو الأهواء المادية، لكنّ حُكمه جلّ وعلا منزّهٌ عن أي خطأ وأي إفراطٍ وتفريط، وأي ميلٍ إلى الباطل، لأنّ علمه غير محدود وهو غنيٌّ عن العالمين.
وقد ذُكِرَ في الآية الثالثة باسم «خَيرُ الفَاصِلِينَ»، لأنّ الناس لو أرادوا أن يميّزوا الحق من الباطل فإمّا أن يقعوا في الكثير من الإشتباهات ولا يميّزوا بينهما بصورة صحيحة، وإمّا أنْ يلتبس عليهم التمييز بين الحق والباطل بسبب جهلهم، أو يخلطوا بينهما بسبب تحكيم أهوائهم النفسانيّة.
أمّا الذي يعلم السرّ وما تخفي الصدور، وأحاط بكل شيءٍ علماً فلا معنى عنده سبحانه لكل هذه الأمور، فهو خير الفاصلين.
علاوةً على هذا فقد يشخّص الإنسان الحق من الباطل بصورة جيّدة لكنّه عاجزٌ عن إعمال علمه ومعرفته، ولكن اللَّه تعالى هو القادر الأزلي الوحيد الذي يستطيع إعمال علمه في كُلّ حال.