نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧١ - جمع الآيات وتفسيرها
ومن جهةٍ اخرى فإنَّ التخلق بهذه الصفة الإلهيّة يقول للإنسان: كُن بحيث يسلم من لسانك وبدنك جميع الناس وكن ذا صُلحٍ وصفاءٍ معهم جميعاً.
أمّا كلمة (مؤمن) فهي مأخوذة من مادّة (أمن)، كما قال صاحب مقاييس اللغة، وهي ذات مَعْنَيين متقاربَيْن من بعضهما: أحدهما هو الأمانة في مقابل الخيانة التي تبعث على سكون القلب، والآخر هو التصديق بشيءٍ معين.
ولكن لم يذكر الراغب في مفرداته سوى معنىً واحد وهو سكون النفس وزوال الإضطراب والخوف، ولكون قبول الأصول العقائدية يمنح الإنسان السكينة والأمان فإنّه سُمّي بمصطلح (الإيمان)، وقولنا آمين بعد الدعاء معناه: «اللّهم صدِّق ذلك وحقِّقْه»، لذا فقد فسّروه بمعنى طلب الاستجابة، وكذلك يُسمَّى البعير المطمئِنٌ النشِطُ الذي لايَزِلُ (أمون).
وعلى أيّة حال، عندما تستعمل هذه الكلمة كأسم من أسماء اللَّه وندعوه ب «المؤمن» فإنّها تعني من يمنح أولياءه وأحباءه الأمان ويترحم عليهم بالإيمان، وقال البعض: إنّه تعالى يدعى بهذا الاسم لأنّه أوّل من آمن بذاته المقدّسة وصدّقها.
وقد احتمل الفخر الرازي، في تفسيره، هذا الإحتمال أيضاً وهو أنّ وصف الباري بصفة المؤمن معناه المصدّق رسُلَهُ بإعطائهم المعاجز [١]. وقد قال المرحوم الكفعمي في مصباحه:
«يحتمل أن يكون مفهومها من يُصدّق وعوده التي وعد عباده بها، ويحققها»، ثم نقل حديثاً عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «سُمّي سُبحانه مؤمناً لأنّه يؤمّنُ عذابَهُ مَنْ أطاعه»، وقال البعض الآخر من المفسّرين: «المؤمن مَنْ يؤمّنُ ظلمه وجوره عباده» [٢]، وقد ذُكرَ لها في تفسير «روح البيان» معنىً جامعٌ يضم أغلب المعاني المذكورة أعلاه وهو: المؤمن والذي لا يتحقق أي أمانٍ وسكينة إلّامن عنده.
وقد ذكر المرحوم الصدوق في كتاب التوحيد ثلاثة معانٍ لها: «من يحقق وعوده، ومن
[١] تفسير الكبير، ج ٢٩، ص ٢٩٣.
[٢] تفسير القرطبي، ج ٩، ص ٦٥٢٥ (ذكر هذا المعنى كأحد الاحتمالات).