نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٩ - جمع الآيات وتفسيرها
قال المرحوم الكفعمي في المصباح: «بأنّها تعني من وُكِلَتْ إليه جميع أمورنا» [١]. وما قاله البعض في تفسيرها بتكفُّل الرزق هو في الواقع تبيان مصداقٍ واحدٍ، وإلّا فهي ليست محدودة بالرزق فقط.
يقول الزبيدي في تاج العروس في شرح القاموس: (التوكُّل) هو إظهار العجز والإتّكاء على الغير، هذا من حيث اللغة، وأمّا عند أصحاب الحقيقة، فهو الأعتماد على ما عند اللَّه واليأس ممّا في أيدي النّاس، «المتوكّل على اللَّه» يُطلق على من يعتقد بأنّ اللَّه يكفيه رزقه وجميع أموره، يتكّل على اللَّه وحده لا على غيره [٢].
يُستنتج من الآيات القرآنية بوضوح أن توكّل المؤمنين على اللَّه وحده من شؤون التوحيد، لأنّ كلّ شيءٍ وكلَّ أمرٍ يرجع إليه، كما ورد في قوله تعالى: «وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ فَاعْبُدهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ». (هود/ ١٢٣)
وكذا في قوله تعالى: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ». (إبراهيم/ ١٢)
لِمَ لا نتوكّل عليه ونعتمد عليه في جميع أمورنا وهو العزيز الرحيم!؟ قال تعالى: «وَتَوَكَّل عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ». (الشعراء/ ٢١٧)
إنّ البلاغ الذي تعطينا إيّاه هذه الصفة الإلهيّة هو أنّها توصينا بعدم الضياع في عالم الماديّات وعدم الإنخداع بالقدرات الماديّة الظاهريّة، وعدم الاعتماد والإتّكال على المخلوقات الضعيفة العاجزة، بل التوكُّل فقط على الذات الإلهيّة المقدّسة، والإستعانة به سبحانه فقط والوثوق به والخضوع لحضرته جلّ وعلا فقط.
ومن جهةٍ اخرى علينا أن نسعى ونبذل ما في وسْعنا لنكون عوناً للآخرين من باب التخلّق بأخلاق اللَّه، ونحاول حل مشاكلهم تقرّباً إلى اللَّه تعالى.
وقد ورد في حديثٍ عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: «التوكُّل على اللَّه نجاة من كُلّ سوء وحرزٌ من كُلّ عدو» [٣].
[١] مصباح الكفعمي، ص ٣٢٦.
[٢] تاج العروس، مادّة (وكل).
[٣] بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٧٩، باب ما جُمع من جوامع الكلم، ح ٥٦،.