نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٦ - الرحمة الإلهيّة الواسعة في الأحاديث الإسلاميّة
وجاءت كلمة (رؤوف) من مادّة (رأفة) وتعني (الرحمة)- حسب قول الراغب الإصفهاني- والجدير بالذكر أنّ تسعة حالات من الإحدى عشرة حالة التي وردت فيها هذه الصفة الإلهيّة في القرآن الكريم رافقتها صفة (الرحيم) [١]، لذا فإنّ صِفَتيْ (رحيم) و (رؤوف) توكّدان مفهوم بعضهما البعض.
وهنالك جدال بين المفسّرين والمتكلّمين حول الاختلاف الموجود بين صفتي (رؤوف) و (رحيم)؟ فاعتقد البعض منهم بأنهما تعطيان مفهوماً واحداً، وعليه فإنّ ذكرهما إلى جنب بعضهما ذو صبغة تأكيد على الرحمة الإلهيّة اللامتناهية.
في حين وضَعَ البعضُ الآخر- كابن الأثير في نهايته- فرقاً بينهما، وهو: إنّ الرأفة مرحلة أدقّ وأسمى من الرحمة، ولا تستعمل أبداً في المسائل الرديئة، لكن الرحمة تستعمل في المسائل المكروهة التي توجد من ورائها مصلحة معينة (فقد يُمكن أن يُقال: إنّ الرحمة التي يحملها فلان دفعت به إلى قطع إصبعه المتعفّن وقايةً من سريان العفونة إلى بقية أعضاء بدنه، لكنه لا يصح استعمال تعبير «الرأفة» هنا) [٢].
يقول المرحوم الكفعمي في مصباحه حول تفسير هذه الكلمة: (قال البعض: إنّ الرأفة مرحلة أسمى من الرحمة، في حين اعتقد البعض الآخر بأنّ دائرتها أكثر محدوديّة من دائرة الرحمة).
يقول المفسّر الكبير المرحوم الطبرسي في ذيل الآية ١٢٨ من سورة التوبة: يعتقد البعض بأنّ صفتي (رؤوف) و (رحيم) لهما مفهوم واحد، ماعدا كون الرأفة مرحلة أقوى من الرحمة، في حين قال جماعة آخرون: (تستعمل كلمة (رؤوف) في المطيعين و (رحيم) في المذنبين، ثم نقل عن بعض العلماء السالفين قولهم إنّ اللَّه لم يجمع بين هاتين الصفتين بحقِ أيٍّ من أنبيائه، لكنّه فعل ذلك كرامةً لنبيِّ الإسلام محمد صلى الله عليه و آله حيث وصفه في هذه الآية: «بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ»، وكذلك وصف ذاته جلّ وعلا حيث قال: «إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ». [٣] (البقرة/ ١٤٣)
[١] البقرة، ١٤٣؛ التوبة، ١١٧؛ التوبة، ١٢٨؛ النحل، ٧ و ٤٧؛ الحج، ٦٥؛ النور، ٢٠؛ الحديد، ٩؛ الحشر، ١٠.
[٢] نهاية ابن الأثير، مادّة (رأف)، ونفس هذه المادّة في (لسان العرب) و (مجمع البحرين).
[٣] تفسير مجمع البيان، ج ٥، ص ٨٦.