نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٥ - الرحمة الإلهيّة الواسعة في الأحاديث الإسلاميّة
«الودود»: (الودود) فعول بمعنى (مفعول) كما يقال: هيوب بمعنى مهيب، يراد به أنّه مودود ومحبوب، ويقال: بل فعول بمعنى فاعل كقولك: غفور بمعنى غافر، أيّ يود عباده الصالحين ويحبهم، والود والوداد مصدره المودة، وفلان ودّك ووديدك أيّ حبّك وحبيبك [١].
واحتمل بعض أرباب اللغة كذلك أنّ كلمة (ودود) هنا تُعطي مفهوم اسم المفعول، وترمز إلى محبوبيّة اللَّه من قبل عباده المؤمنين [٢].
لكننا نعتقد بأنّ المعنيين الثاني والثالث ضعيفان، ويظهر من موارد استعمال هذه الكلمة أنّ معناها الدقيق هو (المحبّة والتمني) الذي ذكرناه.
ومن البديهي اختلاف مفهوم المحبّة الإلهيّة مع مفهوم المحبة الإنسانية، فالمحبّة في الإنسان نوعٌ من التوجّه القلبي والرغبة الروحية، في حين أنّ اللَّه ليس له قلبٌ ولا روح، لهذا فإنّ محبته لعباده تأتي بمعنى فعله لما يُسبب خير البشر وسعادتهم، وتدل على لطفه وعنايته.
ويظهر أنّ السبب في تفسير البعض كلمة (ودود) كإسم مفعول هو أنّهم لاحظوا بأنّ المحبّة بمعنى اسم الفاعل لا تليق بشأن الباري، لأنّها من عوارض الموجودات الإمكانية.
لكنها عندما تختصّ بالباري تعالى فانّما يُقصد منها آثارها الخارجيّة، وليس هذا هو المكان الوحيد الذي يستوجب هذا المعنى والتفسير، بل هنالك الكثير من الصفات والأفعال الإلهيّة من هذا القبيل بالضبط، كقولنا: إنّ اللَّه يغضب على المذنبين، أي يتصرف معهم تصرُّف الغضبان، وإلّا فالغضب الذي يُعطي معنى الهياج والاضطراب في نفس الإنسان لا يصدق أن يكون في الباري تعالى أبداً.
وعلى أيّة حال فإنّ الإيمان بهذه الصفة الإلهيّة له أثره التربوي العميق (كما هو الحال في بقية الصفات)، لأنّ محبّة اللَّه لعباده تؤدّي إلى إيجاد محبة العباد له، فالمحبّة الحقيقيّة لا تكون من طرفٍ واحد أبداً.
وعندما تدخل محبته في قلوب عباده ويعشقونه سيسيرون باتجاه رضاه، لأنّ العاشق يخطو وفق ما يرتضيه معشوقه دائماً.
[١] توحيد الصدوق، ص ٢١٤.
[٢] مجمع البحرين، مادّة (ود)؛ توحيد الصدوق، ص ٢١٤.