نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٢ - ٢- لا يحلُّ اللَّه في شيء
ومن جهة اخرى، لا يمكن تصور المكان بدون محدوديّة، لأنّه ينبغي تصور جسمين بصورة منفصلة عن بعضهما ليتّضح مفهوم المكان من مقايسَتهما مع بعضهما، لذا يقول هؤلاء الفلاسفة: إنّ كُلّ العالم ليس له مكان لأنّه لا يوجد شيء خارج عنه ليُقاس به، أمّا المكان فلأجزاء العالم فقط.
ومن جهةٍثالثة إذا كان للَّهمكان لاستلزم أن يكون له أعضاء وأجزاء، لأنّ ذرات الجسم- بالقياس مع بعضها- تمتلك أمكنة مختلفة، كأن تكون إحداها في الأعلى والاخرى في الأسفل، إحداها في جهة اليمين والاخرى في جهة اليسار، وإذا اعتقدنا بتركيب اللَّه تعالى فستبرز مسألة حاجته إلى هذه الأجزاء والتي لاتتناسب مع وجوب وجوده.
ونفس هذا البحث يرد في مفهوم الزمان، فالذين يعتقدون بأنّ الزمان ظرف مخلوق قبل الأشياء، والأشياء الماديّة تدخله بعد الخلق والتكوُّن وتحتاج إليه، وبتعبيرٍ آخر: الزمان حقيقة مستقلّة سيّالة مخلوقة قبل جميع الأشياء الماديّة، ويُمكن أن يكون موجوداً حتّى بعد فنائها، في هذه الحالة يتّضح عدم إحاطة الزمان باللَّه تعالى، لأنّه يستلزم الحاجة إلى شيء وهو الغني عن كُلّ شيء.
وإن اعتقدنا،- طبقاً لنظرية الفلاسفة المتأخرين،- بأنّه وليد حركة أشياء العالَم أو الحركة الجوهريّة للأشياء، فإنّه محال بشأن الباري، لأنّه وجود كامل وغير محدود من كل ناحية، ووجود كهذا لا يمكن تصور الحركة بشأنه (أي لا مفهوم لها)، إذن لا يسعه الزمان.
٢- لا يحلُّ اللَّه في شيء
يعتقد جماعة من المسيحيين بأن اللَّه تعالى قد حل في المسيح عليه السلام، واعتقد جماعة من المتصوّفة بمثل ذلك في أقطابهم، إذ قالوا إنّ اللَّه تعالى قد حلَّ في وجودهم.
وكما قال العلّامة المرحوم الحلّي رحمه الله في (كشف المُراد): «لا ريب في سخافة وزيف هذه العقيدة، لأنّ ما يُمكن تصوُّره من الحلول هو: أنّ يحل موجود قائم في موجودٍ آخر- كقولنا:
حلّ العطر في الورد- وهذا المعنى لا يُمكن تَصوره بخصوص اللَّه، لأنّه يسْتلزم اشغال حيزّ