نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٢ - ياموسى ارنا اللَّه جهرة!
فَقَد سَأَلُوا مُوسَى أَكبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهرَةً فَأَخَذَتهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلمِهِم».
(النساء/ ١٥٣)
و قال أيضاً: «وَإِذْ قُلتُم يَا مُوسَى لَن نُّؤمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللَّهَ جَهرَةً فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُم تَنْظُرُونَ». (البقرة/ ٥٥)
إنّ تعنت سفهاء بني اسرائيل هو الذي دفعهم لتوجيه مثل هذا السؤال إلى موسى عليه السلام وكان عليه السلام قام بنقل سؤالهم فقط، ليسمعوا الجواب الإلهي الرادع.
وإن أصّر أمثال الفخر الرازي على كون هذا السؤال قد صدر من موسى عليه السلام فاستفاد منه الفخر الرازي إمكانية رؤية اللَّه تعالى البصريّة، حيث يقول: «وإلّا لما سأل رسول عظيم كموسى عليه السلام مثل هذا السؤال»، فهو إصرار في غير محلّه، وقد أبطلته الآيات أعلاه بوضوح.
عجيب حقّاً، فبالرغم من أن الآية الشريفة تصرح: (لن تراني) وكون (لن) أداة للنفي الأبدي، أي إنّك لن تراني أبداً، وعدّت الآية هذا السؤال من قبل بني إسرائيل تعدّياً ووقاحةً، وأنذرت بالصاعقة عقاباً عليه، مع كلّ ذلك نجد أنّ جماعة من المتعصبين يُصرون على عدم دلالة الآية بأي شكلٍ على نفي رؤية اللَّه، بلبالعكس!
ويجب الإعتراف أنّ آفة التعصُّب آفة عجيبة بامكانها أن تحط حتى من مستوى عالمٍ كبير إذا أُصيب بها وتجعله يتوسل بأدلة غير منطقية وبعيدة عن العقل والصواب.
والنقطة الاخرى: هي أنّ المقصود من التجلي الإلهي في هذه الآية هي (الصاعقة) بذاتها، والتي تُعد مخلوقاً من المخلوقات، وشُعاعاً من الأفعال الإلهيّة، وهي كناية عن أنّكم إذا لم تقدروا على رؤية الصاعقة التي تُعد شرارة صغيرة في هذا الوجود العظيم وما لها من تأثير عليكم، حيث تكون مصحوبة بالهول والرعب، فهي قادرة على أن تصرعكم جميعاً، وتدكّ الجبل، وتزلزل الأرض. فكيف تُريدون رؤية الذات الإلهيّة المنقطعة النظير؟!
والحقيقة إنّ التجلي الإلهي كان إجابةً وعقوبةً لهم في نفس الوقت!
وآخر الكلام هو: لماذا طلب موسى عليه السلام التوبة من الباري بعد أن أفاق؟
إنّ هذا الطلب يُمكن أن يحملَ على احتمالين:
الأول: كما أنّ طلب موسى عليه السلام الرؤية كان نيابةً عن بني اسرائيل فإنّ طلبه التوبة من