نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٥ - الأدلة على القدرة الإلهيّة المطلقة
وقد يصدق هذا الكلام بخصوصنا أحياناً، فنحن نستطيع أن نلقي بأنفسنا في النار، أو نضع جذوة من النار في أفواهنا، أو عيوننا، ولسنا بعاجزين عن القيام بهذا الفعل، لكننا لانقوم به أبداً، لأنّ عقولنا لا تسمح لنا بمثل ذلك، فهذا مستحيل وقوعي لا ذاتي.
٤- اعتقد بعض الفلاسفة: بأنّ الذات الإلهيّة المقدّسة، ولكونها واحدة من كل ناحية ولا تقبل الكثرة والتعدُّد، فلا يصدر منها سوى مخلوق مجرّد واحد رفيع جدّاً سموه «العقل الأول»، واستندوا في معتقدهم هذا على القاعدة المعروفة التي تقول «الواحِدُ لا يصدُر منه إلّا الواحد».
لذا فهم يقولون: إنّ المخلوق الإلهي الوحيد هو ذلك الموجود المجرّد الأول، لذا ومن حيث إنّ «العقل الأول» ذو جهات متعددة (له وجود من جهة، وماهيّة من جهةٍ اخرى، ذاتاً «ممكن الوجود» من جهة، و «واجب الوجود» بالعرض من جهة اخرى)، فبسبب جهات الكثرة هذه، نشأت منه معلولات مختلفة، لذا فمنشأ الكثرة في عالم الوجود هي الكثرة الموجودة في العقل الأول والمراتب البعدية حاصلة منه.
وقد اعتمدوا لإثبات القاعدة أعلاه على مسألة «السنخيّة بين العلّة والمعلول»، وقالوا:
لولا ضرورة السنخيّة بين العلّة والمعلول، لأمكن أن يكون كل موجودٍ علّةً لأيمعلول، لكن لزوم السنخيّة يحول دون هذا الأمر، وعندما نقر بوجوب السنخيّة بين العلّة والمعلول، يجب علينا أن نقر بأنّ العلّة الواحدة من كل ناحية تستلزم أن لا يكون لها أكثر من معلولٍ واحد. (تأمّل جيّداً) [١].
ويُمكن الرد على هؤلاء بعّدة طرق:
أ) على فرض صحة هذا الاستدلال، فإنّه لا يُفهم منه محدوديّة القدرة الإلهيّة، بل هو على كُلّ شيء قدير، لكن قدرته بالنسبة «للعقل الأول» بدون واسطة، وبالنسبة للموجودات الاخرى مع وجود واسطة، وكلاهما يعتبران في حدود المقدور، فما الفرق بين أن يُباشر الإنسان عملًا معيناً بيده، أو بوسيلة وأداة معينة من صنعه؟ فالفعل فعله في كلتا الحالتين.
[١] تلخيص من نهاية الحكمة، ص ١٦٦.