مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٠٩ - ٢١ كتابه
فَيا عجَباً عجَباً، واللَّهِ، يُمِيتُ القَلْبَ، ويَجْلِبُ الهَمَّ، ويُسَعِّرُ الأحزانَ، مِن اجتِماعِ هَؤُلاءِ عَلى باطِلِهم وتَفَرُّقِكُم عَن حَقِّكُم، فَقُبْحاً لَكُم وتَرَحاً، لَقدْ صَيَّرتُم أَنْفُسَكم غَرَضاً يُرْمى، يُغارُ عَلَيْكُم ولا تُغِيرونَ، وتُغْزَوْنَ ولا تَغْزُونَ، ويُعْصى اللَّهُ وتَرْضَوْنَ، ويُقضى إليكم فلا تأنفون، قَد نَدَبْتُكُم إلى جِهادِ عَدُوِّكُم في الصَّيفِ فَقلْتُم: هذهِ حمَّارَةُ القَيْظِ، أَمهِلْنا حَتَّى يَنْسَلِخَ عَنّا الحَرُّ، وإذا أَمَرْتُكُم بالسَّيرِ إليْهِم في الشِّتاءِ قُلتُم: هذه صَبَّارَةُ القُرِّ؛ أمْهِلْنا يَنسَلِخْ عَنّا البَرْدُ، فَكُلُّ هذا فراراً مِنَ الحَرِّ والصِّرّ؟
فإذا كنتم من الحَرّ والبَرْدِ تَفِرُّونَ فَأَنتُم واللَّهِ مِنْ حَرِّ السُّيُوفِ أفَرُّ لا والَّذي نَفْسُ ابنِ أبي طالِبٍ بِيَدِهِ عَنِ السَّيْفِ تَحيدونَ؟ فحتّى متى؟ وإلى متى؟
يا أشباهَ الرِّجالِ ولا رِجالَ، ويا طَغَامَ الأحْلامِ، أحلامُ الأطفالِ وعُقولُ رَبَّاتِ الحِجالِ، اللَّهُ يَعْلَمُ لَقَدْ سَئِمْتُ الحَياةَ بَيْنَ أظهُرِكُم، ولَوَدَدْتُ أنَّ اللَّهَ يَقْبِضُنِي إلى رحْمَتِهِ مِن بَيْنِكُم، ولَيْتَنِي لَمْ أرَكُم ولَمْ أَعرِفْكُم، مَعْرِفَةٌ واللَّهِ جَرَّتْ نَدَما، وأَعقَبَتْ سَدَما [١]، أوغرتم- يعلم اللَّه- صدري غَيْظاً، وجَرَّعْتمُوني جُرَعَ التَّهمامِ [٢]، أنفاساً وأفسدتم عَليَّ رأيي وخرصي بالعصيان والخذلان، حَتَّى قالت قريش وغيرها: إن ابنَ أبي طالِبٍ رَجُلٌ شُجَاع ولكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بالحَرْبِ. للَّهِ أبُوهُم! وهَلْ كانَ مِنهُم رَجُلٌ أشَدُّ مُقاساةً وتَجْرِبَةً ولا أطولُ لَها مِراساً مِنِّي، فواللَّهِ لَقَدْ نَهَضْتُ فِيها وما بَلغْتُ العِشْريَن، فها أَنا ذا قَدْ ذرّفت [٣] على السِّتين، ولكِنْ لا رأْيَ لِمَنْ لا يُطاعُ».
[٤]
[١] السَّدَمُ- مُحرّكةً-: الهمُّ مع أسفٍ و غيظٍ، و فِعْلُهُ كفَرِحَ.
[٢] التَّهْمَامُ- بالفتح- الهمّ. أنفاساً: أي جُرعة بَعْدَ جُرعَةٍ، و المراد أنّ أنفاسه أمست همّاً يتجرّعهُ.
[٣] في المصدر: «زرّفتُ» و ما أثبتناه هو الصحيح.
[٤]. الغارات: ج ٢ ص ٤٧٠ و الكافي: ج ٥ ص ٤ ح ٦، نهج البلاغة: الخطبة ٢٧، نثر الدر: ج ١ ص ٢٩٧، بحار الأنوار: ج ٣٤ ص ٥٥ ح ٩٣١؛ أنساب الأشراف: ج ٣ ص ٢٠١، الكامل للمبرد: ج ١ ص ٣٠، العقد الفريد: ج ٣ ص ١٢١، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ٢ ص ٧٤ في كلها «ان الجهاد ... الخ» مع اختلاف.