رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٤٥ - ملاحظات وضعتها في بغداد
في هذه المدينة التي اصبحت مهجورة اليوم دفن بعض أصحاب النبيّ محمّد. إن أكثر هؤلاء شهرة هنا سلمان باك المعروف في التاريخ العربي و الذي يسمى في بلده سلمان الفارسي. يقال إن أهله كانوا من ذوي الشأن و إنه كان من عبدة النار لكنه أراد أن يصبح مسيحيا عندما كان في سوريا لو لا ان احد الكهنة نصحه بالتوجه إلى شبه جزيرة العرب لملاقاة النبي الذي يبشّر من جديد بدين ابراهيم. و لكي يجنبّه هذا الكاهن الوقوع في أيدي الدجالين قال له إن للرسول علامة فارقة في ظهره.
و لربما رأى سلمان هذه العلامة الرسولية علما ان محمد لم يخبر شيئا عن هذا الموضوع و لا تزال آراء العلماء المسلمين إلى اليوم متضاربة حول طبيعة هذه العلامة. كما و تختلف آراء مسلمي بغداد حول سلمان فيقول البعض إنه مات حاكما بينما يقول آخرون إنه مات بصفته قاضي المدائن. إلا أنه معروف بحلّاق محمّد و هو لا يزال إلى اليوم شفيع الحلاقين المسلمين. و إلى اليوم يزور قبره أهل بغداد كل عام و يحملون معهم الهدايا و يضيئون الشموع. و بهذه المناسبة نفسها يزورون قبر كل من الجماني و عبد الله بن سلام و هما و لا شك من الرجال الكرام عند المسلمين.
هناك اكثر من عشرين جامعا مع مآذن في بغداد، هذا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار المساجد الصغيرة. و نجد في المدينة نفسها اليوم أو بالاحرى في ضواحيها ٢٢ مسجدا و أربعة خانات. أما ما تبقى فيعتبر صغير الحجم. كما و هناك عدد كبير من الحمامات العامة بالاضافة إلى مستشفى أو قل هي مكان حجر صحي فيه عدد من الاكواخ البائسة يحبس فيها المصابون بمرض البرص و الامراض الزهرية.
بالاضافة إلى التمور تشتهر ولايات البصرة و بغداد الكبيرة بالأرز و الملح و القمح و الدواب و احصنة الحروب و كلها منتوجات تسعى اليها البلدان الاخرى. إن موقع هاتين المدينتين استراتيجي إذ تقعان في الوسط بين الهند و بلاد فارس و تركيا لذا تزدهر فيهما التجارة. بسبب الاضطرابات الداخلية في بلاد فارس هاجر عدد كبير من الارمن إلى هاتين المدينتين و انشأوا فيهما مصانعهم.
و مع ان العلوم كانت تحتل مرتبة رفيعة في أيام الخلفاء إلا انها ما عادت تؤخذ بعين الاعتبار اليوم و ذلك حتى في اليمن و القاهرة. و لقد التقيت بأقلية تجيد القراءة و الكتابة. في القاهرة لا نزال نجد متجرا يبيع كتبا قديمة اما في بغداد فلا وجود لمتجر مماثل. إذا أراد احدهم هنا ان يجمع بعض الكتب و ان ينقلها بنفسه أو بواسطة شخص آخر عليه ان ينتظر موت أحدهم إذ تنقل كتبه و يتجول بها المنادي في كافة انحاء المدينة كما لو كانت ثيابا قديمة ثم تعرض للبيع في المزاد العلني. إذا أراد أحد الاوروبيين شراء مخطوطات عربية و تركية و فارسية فخير ما يفعل هو التوجه إلى القسطنطينية حيث يجد دكاكين فيها كتبا يمكن أن يشتريها المسيحيون الشرقيون.