رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٩٩ - الطرق المؤدية من البصرة إلى حلب عبر الصحراء
مما لا شك فيه ان الرحلة في الصحراء ليست مزعجة أو محفوفة بالمخاطر، خاصة ان كان السلام يسود بين القبائل العربية، أو بينها و بين الاتراك، و ان كان قائد القافلة رجلا شريفا و ان كان المسافر يفهم لغة البلاد، و يحبذ طريقة عيش الشرقيين. لاحظ القارىء، في الصفحات السابقة، ان الحروب تنشب بسرعة في هذه البلاد، و تنتهي احيانا بالسرعة نفسها. فحين نغادر احدى المدن، يخطر لنا ان رحلتنا آمنة تماما، و غالبا ما نصادف في منتصف الطريق اعداء على خلاف مع الشيوخ المقيمين في الجوار أو مع الباشاوات الاتراك، و يتوجب حينها على قائد القافلة ان يتفق مع العرب بطريقة ملائمة حتى نمر بسلام. مما لا شك فيه ان أكثر الرحلات أمانا هي تلك التي نقوم بها مع عرب بني كلب، الذين ينقلون كل سنة عددا كبيرا من الجمال إلى حلب، بهدف بيعها.
كما و ان السفر برفقة قوافل التجار، التي يترأسها أحد اعيان البصرة، ليس محفوفا بالمخاطر، فهذا الاخير سافر كثيرا في صباه، و تعرف على شيوخ القبائل كافة، مما ساعده على تأمين الحماية الكاملة للمسافرين. أما القوافل التي يقودها احد الاتراك، و خاصة تلك التي تذهب من بغداد إلى دمشق و الى مكة فهي مكلفة و شديدة الخطورة. غالبا ما يبيع الباشا منصب قائد القافلة إلى الشخص الذي يدفع اكثر، ففي تلك السنة، دفع احدهم ٤٠ ألف ريال لتسلم قيادة قافلة حجاج بلاد فارس، الذين يبغون السفر من بغداد إلى دمشق بعد مرور ثلاثة اسابيع، دفع شخص آخر عشرة آلاف ريال، و حظي بالمنصب المذكور. يتوجب على هذا الشخص ان يجند عددا كبيرا من الرجال، و تقديم الهدايا للقبائل العربية، التي يصادفها في طريقه، اما المسافرون، فيشاركون في هذه الاعباء، علاوة عن دفعهم مبلغا محترما لقائد القافلة. و يروى ان بعض قادة القوافل، يتفقون مع العرب ليهاجموا القافلة و ينهبوها. و أكد لي كبار التجار ان قادة القوافل الاتراك يتسببون في معظم الاحيان بتعرض القوافل للنهب، على يد العرب، و قد اعطيت مثالا على هذه الاعمال في كتاب وصف شبه الجزيرة العربية. أخبرني شخص سافر في قافلة مماثلة، ان التجار اجبروا على دفع مبلغ كبير من المال، قبل انطلاق القافلة، و تعهد القائد في المقابل، بأن يوصلهم إلى وجهتهم بسلام.
غير انه شاهد بعض العرب من بعيد، و اسرع للقائهم مع عدد من رجاله في هذه الاثناء، كان يجدر بنا الانتظار دون ان يتجرأ احد على اطلاق النار على العرب، رغم انهم كانوا يقتربون من القافلة و يهددون بنهبها. دامت المناقشات بين القائد و الشيخ وقتا طويلا، فكانا يتبادلان التهديد بحمل السلاح، و كافة انواع الشتائم و في نهاية المطاف، توصلا إلى اتفاق في ما بينهما، و اجبر قائد القافلة كل مسافر على دفع مبلغ من المال لمتابعة الرحلة. و الجدير ذكره ان الرحلة في الصحراء شديدة الخطورة على اهل الشيعة، اذ تفرض عليهم ضريبة أكبر من اهل السنة، و يسيء الملحدون معاملتهم إلى اقصى حد.