تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٤٨
فهلا * (كانت قرية) * واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر، و * (آمنت) * وقت بقاء التكليف قبل معاينة البأس، ولم تؤخر التوبة كما أخرها فرعون إلى أن أدركه الغرق * (فنفعها إيمانها) * بأن يقبله الله منها * (إلا قوم يونس) * استثناء من القرى، لأن المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس، ويجوز أن يكون متصلا والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وكان قد بعث إلى نينوى [١] من أرض الموصل [٢]، فكذبوه، فذهب عنهم مغاضبا، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب، فلبسوا المسوح وعجوا وبكوا، فصرف الله * (عنهم) * العذاب وكان قد نزل وقرب منهم، وعن الفضيل بن عياض: أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله [٣].
* (ولو شاء ربك) * مشيئة الإلجاء * (لامن من في الأرض كلهم) * على وجه الإحاطة والعموم * (جميعا) * مجتمعين على الإيمان، يدل عليه قوله: * (أفأنت تكره الناس) * يعني: إنما يقدر الله على إكراههم لا أنت، لأنه هو يقدر أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان، وليس ذلك في مقدور القدر، ولا يستطيعه البشر.
[١] وهي قرية قديمة لا تزال آثارها باقية قبالة مدينة الموصل في العراق، وهي مدينة يونس
ابن متى النبي (عليه السلام). راجع معجم البلدان للحموي: ج ٤ ص ٨٧٠.
[٢] الموصل: وهي مدينة قديمة مشهورة، اختطها هرثمة بن عرفجة البارقي، وكان قبل ذلك
حصنا فيه بيع ومنازل للنصارى واليهود، فأنزل هرثمة المسلمين منازلهم، ومصر المدينة
لهم، قالوا: وسميت بالموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، وقيل: وصلت بين دجلة
والفرات، وفي وسطها قبر جرجيس النبي (عليه السلام). راجع فتوح البلدان للبلاذري: ج ٢
ص ٣٣١ - ٣٣٣.
[٣] حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج ٢ ص ٣٧٢.