اعلام الامامیة - فوزي آل سيف - الصفحة ٢٦٠ - المهدي في مكة بحر العلوم الطباطبائي
والخمسين لبحار الأنوار، عن ناظر أمور السيد بحر العلوم، أيام مجاورته بمكة القصة التالية: أن السيد كان رحمة الله مع كونه في بلد الغربة منقطعا عن الأهل والاخوة، قوي القلب في البذل والعطاء، غير مكترث بكثرة المصارف، فاتفق في بعض الأيام أن لم نجد إلى درهم سبيلا فعرفته الحال، وكثرة المؤنة، وانعدام المال، فلم يقل شيئا وكان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح ويأتي إلى الدار، فيجلس في القبة المختصة به، ونأتي إليه بقليان -نوع من التبغ- فيشربه، ثم يخرج إلى قبة أخرى تجتمع فيها تلامذته، من كل المذاهب فيدرس لكل على مذهبه. فلما رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفاذ النفقة، وأحضرت القليان على العادة، فإذا بالباب يدقه أحد فاضطرب أشد الاضطراب، وقال لي: خذ القليان وأخرجه من هذا المكان، وقام مسرعا خارجا عن الوقار والسكينة والآداب، ففتح الباب ودخل شخص جليل في هيئة الأعراب، وجلس في تلك القبة وقعد السيد عند بابها، في نهاية الذلة والمسكنة، وأشار إلي أن لا أقرب إليه القليان. فقعدا ساعة يتحدثان، ثم قام فقام السيد مسرعا وفتح الباب، وقبل يده وأركبه على جمله الذي أناخه عنده، ومضى لشأنه، ورجع السيد متغير اللون وناولني براة، وقال: هذه حوالة على رجل صراف، قاعد في جبل الصفا واذهب إليه وخذ منه ما أحيل عليه. قال: فأخذتها وأتيت بها إلى الرجل الموصوف، فلما نظر إليها قبلها وقال: علي بالحماميل فذهبت وأتيت بأربعة حماميل فجاء بالدراهم من الصنف الذي يقال له: ريال فرانسه[١]، يزيد كل واحد على خمسة قرانات العجم وما كانوا يقدرون على حمله، فحملوها على أكتافهم، وأتينا بها إلى الدار. ولما كان في بعض الأيام، ذهبت إلى الصراف لأسأل منه حاله، وممن كانت تلك الحوالة فلم أر صرافا ولا دكانا فسألت عن بعض من حضر في ذلك المكان عن الصراف، فقال: ما عهدنا في هذا المكان صرافا أبدا وإنما يقعد فيه فلان فعرفت أنه من أسرار الملك المنان،
[١] عملة فضية كان يتم التعامل بها، كانت تسك في النمسا ما بين سنة ١٧٤١ـ ١٨٥٨ م، ويتعامل بها فيها وخارجها، وكانت تعرف في الحجاز بـريال فرانسه.