إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٤ - بيان اشتراط الخشوع و حضور القلب
و التحقيق فيه أن المصلى[١]مناج ربّه عزّ و جلّ كما ورد به الخبر ،و الكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة.و بيانه:أن الزكاة إن غفل الإنسان عنها مثلا فهي في نفسها مخالفة للشهوة شديدة على النفس و كذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى الذي هو آلة للشيطان عدو اللّٰه،فلا يبعد أن يحصل منها مقصود مع الغفلة.و كذلك الحج أفعاله شاقة شديدة،و فيه من المجاهدة ما يحصل به الإيلام ،كان القلب حاضرا مع أفعاله أو لم يكن أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر و قراءة و ركوع و سجود و قيام و قعود .فأما الذكر فإنه محاورة و مناجاة مع اللّٰه عز و جل،فاما أن يكون المقصود منه كونه خطابا و محاورة،أو المقصود منه الحروف و الأصوات امتحانا للسان بالعمل،كما تمتحن المعدة و الفرج بالإمساك في الصوم،و كما يمتحن البدن بمشاق الحج،و يمتحن القلب بمشقة إخراج الزكاة و اقتطاع المال المعشوق.و لا شك أن هذا القسم باطل،فان تحريك اللسان بالهذيان ما أخفّه على الغافل،فليس فيه امتحان من حيث إنه عمل،بل المقصود الحروف من حيث إنه نطق،و لا يكون نطقا إلا إذا أعرب عما في الضمير،و لا يكون معربا إلا بحضور القلب.فأي سؤال في قوله: (اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [١]إذا كان القلب غافلا،و إذا لم يقصد كونه تضرعا و دعاء فأي مشقة في تحريك اللسان به مع الغفلة،لا سيما بعد الاعتياد هذا حكم الأذكار بل أقول:لو حلف الإنسان و قال لأشكرن فلانا و أثنى عليه و أسأله حاجة،ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في النوم،لم يبر في يمينه،و لو جرت على لسانه في ظلمة و ذلك الإنسان حاضر و هو لا يعرف حضوره و لا يراه لا يصير بارا في يمينه،إذ لا يكون كلامه خطابا و نطقا معه ما لم يكن هو حاضرا في قلبه،فلو كانت تجرى هذه الكلمات على لسانه و هو حاضر إلا أنه في بياض النهار غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار و لم يكن له قصد توجيه الخطاب إليه عند نطقه،لم يصر بارا في يمينه،و لا شك في أن المقصود من القراءة و الأذكار الحمد و الثناء و التضرع و الدعاء،و المخاطب هو اللّٰه عز و جل،و قلبه بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه و لا يشاهده ،بل هو غافل عن المخاطب
[١] الفاتحة:٦