إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٧ - الطرف الثاني في المزال به
و أما الماء الجاري إذا تغير بالنجاسة فالجرية المتغيرة نجسة دون ما فوقها و ما تحتها ،لأن جريان الماء متفاصلات.و كذا النجاسة الجارية إذا جرت بمجرى الماء فالنجس موقعها من الماء،و ما عن يمينها و شمالها إذا تقاصر عن قلتين،و إن كان جرى الماء أقوى من جرى النجاسة فما فوق النجاسة طاهر،و ما سفل عنها فنجس و إن تباعد و كثر،إلا إذا اجتمع في حوض قدر قلتين،و إذا اجتمع قلتان من ماء نجس طهر و لا يعود نجسا بالتفريق .
هذا هو مذهب الشافعي رضى اللّٰه عنه و كنت أودّ أن يكون مذهبه كمذهب مالك رضى اللّٰه عنه،في أن الماء و إن قل لا ينجس إلا بالتغير،إذ الحاجة ماسّة إليه،و مثار الوسواس اشتراط القلتين،و لأجله شق على الناس ذلك.و هو لعمري سبب المشقة،و يعرفه من يجربه و يتأمله و مما لا أشك فيه أن ذلك لو كان مشروطا لكان أولى المواضع بتعسر الطهارة مكة و المدينة،إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية و لا الراكدة الكثيرة.و من أول عصر رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم إلى آخر عصر أصحابه لم تنقل واقعة في الطهارة،و لا سؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات،و كانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان و الاماء الذين لا يحترزون عن النجاسات.و قد توضأ عمر رضى اللّٰه عنه بماء في جرة نصرانية.و هذا كالصريح في أنه لم يعول إلا على عدم تغير الماء،و إلا فنجاسة النصرانية و إنائها غالبة تعلم بظن قريب،فإذا عسر القيام بهذا المذهب و عدم وقوع السؤال في تلك الاعصار دليل أول،و فعل عمر رضى اللّٰه عنه دليل ثان و الدليل الثالث
[١] «إصغاء رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم الإناء للهرّة » و عدم تغطية الأواني منها بعد أن يرى أنها تأكل الفأرة ،و لم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها و كانت لا تنزل الآبار.
و الرابع:أن الشافعي رضى اللّٰه عنه نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير و نجسة إن تغيرت .و أي فرق بين أن يلاقى الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه؟ و أي معنى لقول القائل:إن قوّة الورود تدفع النجاسة مع أن الورود لم يمنع مخالطة النجاسة،