إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٣ - و الطهارة لها أربع مراتب
الدين،فأكثر أوقاتهم في تزيينهم الظواهر كفعل الماشطة بعروسها،و الباطن خراب مشحون بخبائث الكبر.و العجب.و الجهل.و الرياء.و النفاق،و لا يستنكرون ذلك و لا يتعجبون منه،و لو اقتصر مقتصر على الاستنجاء بالحجر ،أو مشى على الأرض حافيا ،أو صلى على الأرض أو على بواري المسجد من غير سجادة مفروشة،أو مشى على الفرش من غير غلاف للقدم من أدم،أو توضأ من آنية عجوز،أو رجل غير متقشف أقاموا عليه القيامة و شدوا عليه النكير،و لقبوه بالقذر،و أخرجوه من زمرتهم،و استنكفوا عن مؤاكلته و مخالطته،فسموا البذاذة التي هي من الإيمان قذارة،و الرعونة نظافة،فانظر كيف صار المنكر معروفا و المعروف منكرا و كيف اندرس من الدين رسمه كما اندرس حقيقته و علمه فإن قلت:أ فتقول إن هذه العادات التي أحدثها الصوفية في هيئاتهم و نظافتهم من المحظورات أو المنكرات؟ فأقول:حاش للّٰه أن أطلق القول فيه من غير تفصيل،و لكني أقول:إن هذا التنظيف و التكلف و إعداد الأواني و الآلات و استعمال غلاف القدم و الإزار المقنع به لدفع الغبار و غير ذلك من هذه الأسباب،إن وقع النظر إلى ذاتها على سبيل التجرد فهي من المباحات،و قد يقترن بها أحوال و نيات تلحقها تارة بالمعروفات و تارة بالمنكرات فأما كونها مباحة في نفسها فلا يخفى أن صاحبها متصرف بها في ماله و بدنه و ثيابه،فيفعل بها ما يريد إذا لم يكن فيه إضاعة و إسراف و أما مصيرها منكرا ،فبأن يجعل ذلك أصل الدين،و يفسر به
قوله تعالى صلّى اللّٰه عليه و سلم «بنى الدّين على النّظافة » حتى ينكر به على من يتساهل فيه تساهل الأولين،أو يكون القصد به تزيين الظاهر للخلق،و تحسين موقع نظرهم،فان ذلك هو الرياء المحظور، فيصير منكرا بهذين الاعتبارين و أما كونه معروفا،فبأن يكون القصد منه الخير دون التزين،و أن لا ينكر على من ترك ذلك،و لا يؤخر بسببه الصلاة عن أوائل الأوقات،و لا يشتغل به عن عمل هو أفضل منه،أو عن علم،أو غيره،فإذا لم يقترن به شيء من ذلك فهو مباح يمكن أن يجعل