مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٤٢ - القسم الثالث في الكفالة
..........
فقد عرفت أنّ القائل به قد خالف نفسه، و أثبت في غير الكتاب حكما مخالفا لهذا الحكم، و هو أنّ اللازم هو الكفالة، و أنّ المال لا يضمن إلّا إذا لم يحضره، و هو في الحقيقة من لوازم الكفالة- كما تقدّم [١] على بعض الوجوه- لا دليل على صحّة الضمان، فكيف يتحقّق الإجماع على مسألة قد خالف فيها مثل العلّامة و المحقّق و ابن الجنيد، و الشهيد- (رحمه اللّه)- أيضا، فإنّه قيّد لزوم المال بعدم إحضاره في اللمعة [٢]، و بعض ما حقّقه على المسألة؟!.
و إن كان الإجماع وقع على الحكم مع القيد بطل السرّ المذكور، و مع ذلك يصير ما خلا عنه من العبارات مخالفا له في الحكم. و هو قول آخر في المسألة.
(و منها): ما نقله فخر الدين [٣]- (رحمه اللّه)- عن والده أنّه حمل الرواية على أنّه التزم في الصورة الأولى بما ليس عليه، كما لو كان عليه دينار فقال: إن لم أحضره فعليّ عشرة دنانير مثلا، فهنا لا يلزمه المال إجماعا، لأنّه التزم بما ليس عليه. أمّا الثانية فإنّه التزم بما هو عليه و هو الدينار مثلا، فكأنّه قال: عليّ الدينار الذي عليه إن لم أحضره.
و لا يخفى بعد هذا الحمل عن إطلاق المال في الصورتين المتقاربتين. بل نقول: مقتضى القواعد العربيّة أنّ المالين في الصورتين واحد، لأنّه قال في الرواية:
«فعليه كذا و كذا درهما» ثمَّ قال: «إلّا أن يبدأ بالدراهم» فأتى بها معرفة، و من القواعد المقرّرة أنّ اللفظ إذا تكرّر و كان الثاني معرّفا يكون هو الأوّل حملا للّام على العهديّة، سواء كان الأوّل منكرا كقوله تعالى أَرْسَلْنٰا إِلىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [٤]، أم معرّفا كقوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [٥]. و من هنا قيل: لن يغلب عسر يسرين. و أمّا الرواية الثانية فالمال فيها في
[١] في ص: ٢٤٠.
[٢] اللمعة الدمشقية: ٨٥.
[٣] لم نجده في الإيضاح.
[٤] المزمل: ١٥- ١٦.
[٥] الانشراح: ٥- ٦.