مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٦٠ - كتاب الصلح
و ليس فرعا على غيره، و لو أفاد فائدته. (١)
بسبق خصومة، كما يقوله بعض العامّة [١]، لأنّ القاطع للتجاذب مسبوق به.
قلنا: لا يلزم من كون أصل شرعيّته لذلك ثبوته في كلّ فرد من أفراده، كما أشرنا إليه سابقا من أنّ القواعد الحكميّة لا يجب اطّرادها في كلّ فرد، كالقصر في السفر، فإنّ الأصل فيه وجود المشقّة بدونه، و قد ثبت مع عدمها في كثير من أفراده، خصوصا مع وجود النصوص المتناولة بإطلاقها أو عمومها لما لا نزاع فيه.
فان قيل: السفر إلى المسافة مظنّة المشقّة، و القصر تابع له، بخلاف الصلح، فإنّه لم يعلّق بما هو مظنّة التجاذب، بل أجريتموه فيما لا تعلّق له بالمنازعة أصلا.
قلنا: الموجب لإثبات الصلح و شرعيّته أمران- كما قد عرفت سابقا- أحدهما يدلّ على أنّه موضوع لقطع التنازع من غير أن يدلّ على انحصاره فيه، و الآخر يدلّ بإطلاقه على جوازه مطلقا، فيجوز حينئذ أن يكون أصل شرعيّته لقطع التنازع مع عدم انحصاره فيه، لما دلّ عليه باقي الأدلّة. فمرجع الأمر إلى أنّ الأصل فيه ذلك الحكم لكنّه تعدّي إلى غيره بالدليل، كما أنّ الأصل في القصر كان السفر و الخوف معا، تخفيفا على المكلّف، كما دلّت عليه الآية [٢]، ثمَّ تعدّي إلى ما لا خوف فيه و لا مشقّة، بل إلى ما لا سفر فيه أيضا على بعض الوجوه، كالموتحل و الغريق و نحوهما، و كالفسخ بالعيب الذي هو نقصان في الخلقة، لأنّه مظنّة نقصان القيمة، ثمَّ عدّي إلى مالا نقصان معه، بل إلى ما فيه زيادة كالخصيّ، إلى غير ذلك من الأحكام.
و بالجملة فالمرجع في إثبات الحكم الشرعي إلى الدليل الدالّ عليه، لا إلى الحكمة التي شرّع لأجلها، و هو أعمّ من موضع النزاع.
قوله: «و ليس فرعا على غيره و لو أفاد فائدته».
(١) نبّه بذلك على خلاف الشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط حيث قال: إنّه فرع على
[١] راجع الوجيز ١: ١٧٧ و فتح العزيز ١٠: ٢٩٦.
[٢] النساء: ١٠١.