موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٣١٥ - الشريف علي حيدر في المدينة
و أعقب ذلك انشغاله الشديد بالتعرف على الوضع عن كثب، فقد توافدت القبائل من كل مكان لتؤدي يمين الأخلاص و الطاعة، و تعبر عن فرحها بوصول عميد أسرة ذوي زيد صاحب الحق الشرعي في شرافة مكة الكبرى. و تقاطرت الألوف منهم للانضواء تحت رايته و وضع أنفسهم تحت تصرفه، حتى تألف منهم جيش بخمسة عشر ألف مقاتل ليسير وراءه.
لكن مصاعبه و مشاكله أخذت تزداد يوما بعد يوم، لأنه مع كونه قد تقبل ولاءهم بفرح و سرور فقد اضطر إلى أن يوعز لهم بالتفرق بعد ذلك لأنه لم يكن قادرا على تزويدهم بأي شيء من الذخيرة و التموين. فإن المدينة كانت تخلو من كل شيء، و كانت وحدات الجيش النظامي فيها فقيرة التجهز إلى أقصى حد ممكن.
و لم تأت الاتصالات المتكررة بالحكومة بأي شيء، لأن المسؤولين كانوا يخضعون لأسيادهم الألمان في فكرة تركيز القوات العسكرية في جهات أخرى ضد الأنكليز. و لذلك تحتم على الأمير ان يتجرع مرارة الخيبة في ان تفلت من يده الفرصة الوحيدة التي سنحت له لسحق الثورة العربية، و استعادة مكة. فان قبيلة بعد أخرى أخذت ترسل رسلها لتقول ان الوقت قد حان، و أن الفرصة قد سنحت، لتخليص الحجاز من حسين المكروه و حلفائه الكفار. لكنهم كلهم كانوا يحتاجون إلى الذخيرة الحربية و الطحين، و هما الشيئان الحيويان اللذان لم يكن علي حيدر يملكهما و لم يكن قادرا على استحصالهما من الحكومة التي سبق لها أن أخذت تفقد سيطرتها على الشؤون الحيوية في البلاد. و كانت القبائل في الوقت نفسه تعاني الجوع و الحاجة إلى كل شيء تقريبا، فاضطروا في الأخير إلى الرضوخ واحدا بعد آخر إلى لسان الدعاية المقنعة التي كان يبثها رؤساء الثورة المدعومون بذهب الأنكليز و طحينهم.
و كانت من بين الرسائل التي تسلمها الشريف الأكبر في هذا الوقت