موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٦٦ - الوثيقة
و أكد الرسول (ص) في الوثيقة مراعاة حق الجار «و أن الجار كالنفس غير مضار و لا آثم» . و نلاحظ أن النص جاء بكلمة الجار دون تحديد، و من المرجح أن الرسول (ص) أراد أن تشمل كلمة الجار إلى جانب المؤمن:
اليهودي، و النصراني، و لا شك أن جار المرء هو أقرب الناس إليه بعد عائلته و أهله، و أن دعوة الإسلام إلى رعاية الجار و الإهتمام به و حمايته أثر كبير في بناء الكيان الإجتماعي و مظهر من مظاهر التعاون الذي رسم أبعاده الرسول محمد (ص) .
و نصت الوثيقة: «أنه لا تجار قريش و لا من نصرها» و من الجدير بالذكر أن عادة الجوار من العادات الأصيلة عند العرب قبل الإسلام و كان يتغنى بها أشراف القوم و يتمجدون و يفخرون، و الرسول محمد (ص) و هو على جانب كبير من الفطنة و الذكاء، و هو الخبير العبقري رأى أنه إن أبقى هذه العادة قائمة، لتؤدي إلى نتائج سيئة بالنسبة لمسيرة المسلمين و الدعوة الإسلامية، فلو أن قرشيا اشتد في إيذائه و اضطهاده و قتله المسلمين، ثم استجار برجل من أهل المدينة لما استطاع المسلمون أن يتخلصوا منه و لا من عدوانه لهم، فلا عجب إذن إذا أمرهم أن لا يجيروا قرشيا أو نصيرا لقريش، و نلاحظ أن الرسول (ص) لم يحدد هنا المجير، حتى تشمل الكلمة المؤمن و اليهودي و المشرك، فقد كان يخشى (ص) أن يلجأ القرشيون إلى أقاربهم و معارفهم من المهاجرين فيتذكر هؤلاء جوار الجاهلية و تكون النتيجة غير التي يريدها الرسول.
هذا و قد احترم المسلمون المؤمنون الوثيقة التي نشرها الرسول (ص) و كانت لها نتائج كبيرة في حياة المدينة-يثرب-و لكن اليهود لم يكونوا أوفياء لها، و قد انقلبوا و كان انقلابهم و بالا عليهم، أدى إلى إجلائهم من المدينة التي أصبحت تستقل بالمؤمنين المجاهدين.
و على هذا فإن بانتقال الرسول (ص) إلى يثرب بدأت حالة جديدة في تلك المدينة، إذ أصبحت مركز الدعوة الإسلامية و نقطة الإنطلاق الإسلامي،