موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٣٦ - هجرة الرسول الى المدينة
فصدقناه و آمنا به و اتبعناه على ما جاء به من اللّه، فعبدنا اللّه وحده لا نشرك به شيئا، و حرّمنا ما حرّم علينا و أحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا و فتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللّه، و أن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا و ظلمونا و ضيقوا علينا و حالوا بيننا و بين ديننا، خرجنا إلى بلدك و اخترناك على من سواك و رغبنا في جوارك، و رجونا أن لا نظلم عندك ٥ » .
كانت لتلك الكلمات الحقة الرائعة أثرها الكبير في يقظة الضمير و انقداح الفكر، و تأكد لملك الحبشة و رجاله صدق هؤلاء المؤمنين المسلمين و أن ما يحملون من مبادىء و أفكار لا تختلف عن مبادىء و أفكار السيد المسيح، فامتنع النجاشي من تلبية طلب القرشيين و رجع رسولا قريش يجرّون أذيال الخيبة و الفشل، و انتصر الإسلام و المسلمون في هذه الجولة، و اطمأن المؤمنون في الحبشة ينعمون بالأمن و الحرية حتى عادوا إلى أوطانهم بمحض إرادتهم و برغبتهم كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
و استمر المشركون في أذى المسلمين، و لاقى الرسول (ص) ما لاقى من صنوف العذاب و الاضطهاد، و قد ضرب الرسول العظيم و صحبه الكرام أمثلة عالية في الثبات على المبدأ، و لما وجد المشركون هذا الصمود العظيم و الثبات الكبير، ساورهم شعور بخطورة الأمر و أن محمدا (ص) سوف يقوى جانبه يوما بعد يوم، فاتصلوا بعمه أبي طالب، و طلبوا منه التوسط لدى ابن أخيه، ليكف عن الدعوة إلى الإسلام، و عرض المشركون عليه عروضا مغرية، و لكن الرسول (ص) وقف بصلابة المؤمن، قائلا: - «و اللّه لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في شمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره اللّه. أو أهلك دونه ٦ » .
و لما يئست قريش من إغراء محمد (ص) بالمال و السلطان، اتعبت أسلوبا جديدا، أعلنت فيه مقاطعة بني هاشم مقاطعة كاملة، فلا يؤاكلونهم و لا يشاربونهم و لا يبايعونهم، و لا يناكحونهم، و لا يكلمونهم حتى