موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٩٢ - المدينة في عهد الأمويين و العباسيين
المدينة في عهد الأمويين و العباسيين
و لا شك أن المدينة بكل ما فيها من ذكريات دينية عزيزة على المسلمين، و بالجدث الطاهر المقبور في تربتها، لا يمكن أن تصبح مدينة مهملة على الإطلاق. و إنما كان الأمر بالعكس، فقد أخذت قدسيتها تزداد في أعين المسلمين كلما عظمت شخصية النبي الأعظم في نظرهم لكن حياة البلدة نفسها ظلت تبعد شيئا فشيئا عن العالم الحقيقي الذي كانت تتكشف فيه حوادث التاريخ الفعلي. و صار يقصدها الراغبون في البقاء بمعزل عن فوران الوقائع السياسية، مثل ما فعل الحسن بن علي (ع) بعد تنازله عن حقه في الخلافة. و قصدها الحسين كذلك من الكوفة، لكنه غادرها من جديد ليحاول محاولته اليائسة في الحصول على حقوقه المهضومة. لكن المهم أن أحدا من أنصار المدينة لم يخرج معه إلى الكوفة. و حينما استشهد بذلك الشكل المؤلم المؤسف جيء بنسائه و ابنه إلى المدينة، حيث عاشوا بهدوء و سلام من دون أن يسهموا في القتال. و قد أقام محمد بن الحنفية كذلك في المدينة. على أن أقرباء النبي و أتباعه المخلصين لم يكونوا وحدهم هم الذين يفضلون العيش في مدينته المقدسة، و إنما فعل ذلك أيضا البعض من الأمويين، أعدائه السابقين [١] ، الذين كانت تجذبهم المدينة اليها بهدوئها الشامل و حياتها الرخية و بهذه الطريقة أصبحت المدينة موطنا لطبقة جديدة من السكان تتألف من إناس يريدون التمتع بالثروة العظيمة التي جاءت اليهم بها حروب الفتح المختلفة من دون إزعاج. و قد صارت الحياة فيها على جانب أكبر من الترف و الرخاء بالتدريج حتى غدت في الأخير، و هي المدينة المقدسة، رديئة السمعة بحيث أن مروان الثاني آخر الخلفاء الأمويين سأل أحد المشتركين
[١]
Lammens-Etudes sur le regne de Mo'awia,P. ٥٣.