موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٨٣ - الاوس و الخزرج
التي نشبت ما بين قبيلتي قيلة الكبيرتين، أي بين الأوس و الخزرج. فقد تخاصمت الأسر على انفراد في بادىء الأمر و تقاتل أفرادها فيما بينهم، لكن الخصومة اشتد أوارها بالتدريج و امتد لهيبها بحيث صار يهدد وجود البلدة بأسرها. غير أن الاختلاف أمكن حله بالتحكيم، لكن الهدوء ما استقام طويلا حتى تجدد الاحتكاك بين الطرفين فأدى إلى استئناف النزاع و القتال الذي كان سبب القسم الأشد منه انتقام خاطب في هذه المرة.
و يشير إلى هذا قيس بن الخطيم في أشعاره، و هو من أسرة أوسية تنتمي إلى بني النبيت. على أن القتال تطور في جميع الأحوال في غير صالح الأوسيين، و طرد بنو النبيت في الأخير من ممتلكاتهم. فطلب الأوس و هم في محنتهم هذه مساعدة القبيلتين اليهوديتين الرئيستين، فرفض اليهود التدخل بادىء ذي بدء غير أن الخزرج عمدوا إلى ذبح البعض من رهائن اليهود فأدى ذلك إلى إقدام اليهود على التحالف مع الأوس و أعلنوا استعدادهم للمساعدة. فأعقب هذا وقوع معارك طاحنة اشتركت فيها القبيلتان العظيمتان بكل قواهما، و سائر سكان يثرب، و حتى البدو المحيطون بالمدينة. غير أن موقعة بعاث التي استعد لها الفريقان خلال مدة طويلة من الزمن كانت هي الحاسمة في النهاية. و قد بدا بادىء ذي بدء كما لو كان الأوس سيغلبون أيضا، لكن الآية انقلبت في الأخير فأصيب الخزرج بانتكاسة شديدة. و مما يجدر ذكره هنا أن عبد اللّه بن أبي الخزرجي أبدى في هذه المناسبة نفس التردد الذي أبداه بعد ذلك عندما أقدم على معارضة محمد (ص) . فقد نزل إلى ميدان الحرب مع الآخرين لكنه لم يشترك فيها، و هرب فعلا يوم العرارة. هذا و قد استعادت موقعة بعاث التوازن بين القبيلتين الرئيستين، لكن القتال المستمر كان قد استنزف قوى البلدة بأجمعها و جعلت الروح العدائية التي كانت تفصح عن نفسها بين حين و آخر حياة الناس شيئا لا يطاق يوما بعد يوم، و عند ذاك حدث انقلاب خطير بين سكان المدينة، الذين كانت بهم